قلبه عين يرى بها ذلك، ويقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة ودوامها والدنيا وسرعة انقضائها. انتهى كلام ابن القيم، مدارج.
وقال ابن القيم: ولما كانت التوبة هي رجوع العبد إلى الله ومفارقته لصراط المغضوب عليهم والضالين، وذلك لا يحصل إلا بهداية الله إلى الصراط المستقيم، ولا تحصل هدايته إلا بإعانته وتوحيده - فقد انتظمتها سورة الفاتحة أحسن انتظام وتضمنتها أبلغ تضمن؛ فمن أعطى الفاتحة حقها علمًا وشهودًا وحالًا ومعرفة علم أنه لا تصلح له قراءتها على العبودية إلا بالتوبة النصوح؛ فإن الهداية التامة إلى الصراط المستقيم لا تكون مع الجهل بالذنوب ولا مع الإصرار عليها؛ فإن الأول جهل ينافي معرفة الهدى، والثاني غيّ ينافي قصده وإرادته؛ فلذلك لا تصح التوبة إلا بعد معرفة الذنب والاعتراف به وطلب التخلص من سوء عواقبه أولًا وأخرًا، والفرح بالمعصية دليل على شدة الرغبة فيها والجهل بسوء عاقبتها وعظم خطرها والجهل بقدر من عصاه، وفرحه بها أشد ضرارًا عليه من مواقعتها، والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبدًا، ولا يكمل بها فرحه؛ بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه، ولكن سكر الشهوة يحجبه عن الشعور بها، ومتى خلى قلبه من هذا الحزن واشتدت غبطته فَلْيَتَّهم إيمانه وليبك على موت قلبه؛ فإنه لو كان حيًّا لأحزنه ارتكابه للذنب وغاظه وصعب عليه؛ فحيث لم يحسس به فما لجرح بميت إيلام؛ فالإصرار على المعصية معصية أخرى، والقعود عن تدارك الفارط من المعصية إصرار ورضا بها