فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 62

ولا يشكره عليها ولا يفرح بها، بل يسخطها ويشكوها ويعدها مصيبة. هذا وهي من أعظم نعم الله عليه، فأكثر الناس أعداء نعم الله عليهم، ولا يشعرون بأن ما فتح الله به عليهم نعمة، وهم مجتهدون في دفعها وردها جهلا وظلمًا. فكم سعت إلى أحدهم من نعمة وهو ساع في ردها بجهده، وكم وصلت إليه وهو ساع في دفعها وزوالها بظلمه وجهله، فليس للنعم أعدى من نفس العبد، فهو مع عدوه ظهير على نفسه، فعدوه يطرح النار في نعمه وهو ينفخ فيها، فهو الذي مكَّنه من طرح النار ثم أعانه بالنفخ، فإذا اشتد ضرامها استغاث من الحريق، وكان غايته معاتبه الأقدار:

وعاجز الرأي مضياع لفرصته

حتى إذا فات أمر عاتب القدر [1]

نعوذ بالله من الحَوْر بعد الكوْر، ومن النقصان بعد الزيادة.

فلنتدارك النعم قبل فوات الأوان، بتقوى الله وحسن العمل ومراعاة الخلق، واستدراك ما فات من التقصير في حق الله وحق الناس والأهل والإخوان، والحذر من الإعراض عنهم والاغترار بالنفس التي اكتست برداء الكبرياء، الذي لا ينبغي إلا للخالق العظيم كما جاء في الحديث القدسي: قال الله تعالى: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار» [2] .

(1) المنتحل للثعالبي، ونسبه للخليل بن أحمد الفراهيدي، ونسبه غيره للرياشي كما في عيون الأخبار لابن قتيبة (1/ 14) .

(2) رواه أبو داود (4090) وصححه الألباني في الصحيحة (541) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت