فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 62

وإذا التبرم هو: التأفف والسأم والتضجر وشدة الغم وضيق النفس.

والشخص المتبرم المقصود هنا في الحديث: كل صاحب نعمة أدت إلى أن يؤول الناس إليه بسببها، كالعالم والمفتي والداعية والمربي والأمير والقاضي، والمسئول والطبيب والمحامي والتاجر والغني، ونحوهم من أفراد المجتمع ممن أنعم الله عليهم بنعم جعلت لهم مكانة بين الناس أو سلطة في المجتمع، أو فيها نفع متعد لغيرهم من الناس.

فإن مثل هؤلاء إذا تذمروا وتأففوا، وضاقوا ذراعًا بالخلق بعد أن صارت حاجة الناس إليهم، وتكبروا عليهم وأعرضوا عنهم وسئموا ذلك وتضجروا منه، وأصابهم بسبب ذلك الغم وضيق النفس، فإنهم معرضون لزوال هذا الفضل عنهم كما في الحديث السابق.

والتحذير الوارد في الأحاديث المتقدمة يدخل في عموم قول الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال:53] وقوله جل جلاله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد:11] .

قال البغوي رحمه الله في تفسير الآية الأولى: (أراد أن الله تعالى لا يغير ما أنعم على قوم حتى يغيروا هم ما بهم بالكفران وترك الشكر، فإذا فعلوا ذلك غير الله ما بهم فسلبهم النعمة) [1] .

وقال تعالى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد:38] .

قال القرطبي رحمه الله (وفي الآية تخويف وتنبيه لجميع من كانت له ولاية وإمارة ورياسة، فلا يعدل في رعيته أو كان عالمًا فلا يعمل بعلمه ولا ينصح الناس، أن يذهبه ويأتي بغيره وكان الله على ذلك قديرا) [2] .

إن هذا الحديث برواياته تذكرة وتحذير لكل من أنعم الله عليه وأولاه من المكانة المادية أو المعنوية، ما جعله سببا لقضاء حوائج غيره، ثم لم يقم بها كما يحب الله ويرضى.

لذا فإنه يجب عليه عدة أمور:

أولًا: أن يعلم بأن هذه النعمة، والمنصب، والعلم، والمكانة التي بوأه الله إياها، ابتلاء من الله - عز وجل - ليرى ماذا يصنع، لأن الدنيا دار ابتلاء وامتحان. قال - عز وجل: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان:2 - 3] فإما أن يؤدي ما عليه من واجب الشكر أو أن يكفر ويجحد.

ثانيًا: أن المرء مهما علا وارتفع فإنه قليل بنفسه، كثير بإخوانه، وأن تبرُّمه من أفراد مجتمعه فيه من تشتيت للأواصر وإيغار للصدور ما لا يخفي ضرره العاجل والآجل، فإن له في نفس الوقت ذلك الأثر

(1) تفسير البغوي (3/ 368) .

(2) تفسير القرطبي (5/ 409) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت