(( إن ) )حرف شرط (( كان في الحراسة ) )هاذه جملة الشرط، (( كان في الحراسة ) )هاذه جواب الشرط، وهاذا من المواضع القليلة التي يوافق فيها الشرط جوابه، التي يوافق فيها جوابُ الشرطِ الشرطَ، يعني: يتوافق الشرط والجزاء، فإنه قال: (( إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة ) )فاتفق الشرط والجزاء في اللفظ، لكن هل اتفقا في المعنى؟ الجواب: لا، لم يتفقا في المعنى، والمعنى (( إن كان في الحراسة ) )يعني: إن كان هاذا العبد في عمل الحراسة، فهو قائم بها على أكمل وجه:
(( كان في الحراسة ) )وقيل: كان في الحراسة: على وجه التعظيم، أي: كان في أمر عظيم؛ لأنه في مرضاة الله سواءًٌ كان في المقدمة، أو كان في الحراسة.
(( وإن كان في الساقة ) )يعني: في مؤخر الجيش (( كان في الساقة ) )ليس له هم في التقدم والتصدُّر، وأن يكون في أوائل الجيوش، وأوائل المجالس، إنما همُّه طاعة الله جل وعلا، فحيثما كانت طاعة الله، حيثما كانت محبة الله -جل وعلا- وجدته، ليس له نظر إلى غير ذلك.
فقوله: (( إن كان في الحراسة كان في الحراسة ) )أي: قام بها على أكمل وجه، لم يأنف عن هاذا العمل، ولم يقصر فيه، بل اجتهد فيه جهده، وسعى فيه طاقته طلبًا لمرضاة الله جل وعلا، (( وإن كان في الساقة كان في الساقة ) ).
ثم قال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في بيان أنه قد خَمَل ذكره، ولم يسعَ إلى طلب مدح الناس وثنائهم، قال: (( إن استأذن لم يؤذن له ) )إن استأذن: أي طلب الإذن في الدخول على أحد مهما كان لم يؤذن له، يعني: لم يفرح به حتى يؤذن له، بل هو مدفوع بالأبواب كما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره ) )وهاذا مطابق لهاذا الوصف، فهو مدفوع بالأبواب: (( إن استأذن لم يؤذن له ) ).