المهم أن كلَّ ما أمر الله به ورسوله فلا يجوز صرفه لغير الله عز وجل، هاذا الأصل فلا يُنقل عنه، وأما أن ينطلق الإنسان مع مشاعره وعواطفه في أنواع التعظيم القولي والفعلي لمن أمر الله بتعظيمه فلا يجوز هاذا؛ لأن المشاعر والعواطف إذا لم تُحكم بالشريعة فإنها تُوقع الإنسان في المهالك، ولذلك يجب على كل من أثنى على رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في قول أو أثنى على من أمر الله بالثناء عليه وبتعظيمه أن يُراعي في ذلك حق الله جل وعلا، وأن لا يتجاوز الحدَّ؛ لأن الأمر خطير.
ولذلك قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( لا تطروني ) ). أي لا تتجاوزوا في مدحي والقول فيّ بشيء لم أكن عليه -يعني: لا يطابق الواقع- أو بشيء يوقعكم فيما حرَّم الله عليكم من التعظيم.
ولذلك سيأتينا في الأبواب القادمة -إن شاء الله- القوم الذين جاؤوا إلى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقالوا: أنت أفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا، أنت سيدنا وابن سيدنا. فقال لهم النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( قولوا بقولكم -أو ببعض قولكم في رواية- ولا يستجرينكم الشيطان ) ). أي: لا يستركضكم ويستجرَّكم في الوقوع فيما حرَّمَ الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- من التعظيم الذي لا يجوز إلا له.
فقوله: (( كما أطرت النصارى ابن مريم ) ). أي: كما غَلَت وتجاوزت في مدحه حتى بلغت به أن قالت: هو الله، أو: هو ابن الله، أو ما قالوه من التعظيم الذي لا يجوز إلا لله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.
وهاذا ليس للحصر إنما هو للتمثيل، فإنَّ من غلاة الصوفية المنحرفين عن طريق السنة والجماعة من يُجيز في رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كلَّ قول إلا أن يقال: إنه هو الله، ولذلك يقول:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم ...
من أنه الله أو أنه ابن الله أو ما أشبه ذلك من الأقوال الكفرية،