وقوله: (( تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ) )اختلف العلماء في مرجع الضمير هنا: هل هو إلى أهل البلد أي أهل المكان الذين بعث إليهم معاذًا، أم أن الضمير يعود إلى أهل الإسلام الذين شهدوا أن لا إله إلا الله وأطاعوا في إقام الصلاة؟ فمن قال: إنه يعود إلى أهل البلد رأى أنه لا تنقل الزكاة من مكانها إلا إذا لم يجد محتاجًا أو من أهلها أي من أهل الزكاة المستحقين لها، فعند ذلك ينتقل. وأما من رأى أن الضمير يعود إلى عموم المسلمين فإنه يرى جواز نقلها من المكان الذي أهله -أي أهل المال- فيه؛ لأن الضمير يعود إلى عموم المسلمين، فـ (( تؤخذ من أغنيائهم ) )أي أغنياء المسلمين فترد على فقرائهم. وهاذا المعنى الأخير رجحه شيخنا عبد العزيز بن باز -رحمه الله-، والمسألة خلافية تحقق في كتب الفقه.
قال: (( فإن هم أطاعوك لذلك ) )أي: أطاعوك لهاذا الفرض (( فإياك وكرائم أموالهم ) ). تحذير من أخذ أطايب المال؛ لأن النفوس تتعلق به، ولأن فيه مشقة على أهل الأموال أن تؤخذ من كرائم الأموال، فحذر من كرائم الأموال، فهل يأخذ خبيثها ورديئها؟ الجواب: لا، وإنما يأخذ أواسطها، وهاذا كمال العدل الذي لا إجحاف فيه على أهل الأموال ولا ضرر فيه على أهل الزكاة المستحقين لها.
ثم قال: (( واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ) ). هاذه الموعظة فيما يتعلق بالأموال، أي أخر هاذه الموعظة إلى أن جاء ما يتعلق بالأموال؛ لأن الغالب فيمن يتولى أمرًا أن يقع منه خطأ أو تقصير في حقوق الناس وأموالهم، فحذره بقوله: (( واتق دعوة المظلوم ) ). والمظلوم هو من وقع عليه الظلم، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه: إما بأخذ حق، أو بتحميل ما لا يجب. فحذره من دعوة المظلوم ليحذر في جِبَايته للزكاة، ولا يأخذ إلا ما وجب شرعًا من غير وكس أو شطط، أي من غير زيادة أو نقص.