فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 505

أب من أي نكاح كان من أنكحتهم على نسبه، ولم يفرّق بين شيء منها، فتوهم معاوية أنّ ذلك جائز له ولم يفرّق بين استلحاق في الجاهلية، والإسلام [1] وأجاز الإمام مالك أن يستلحق الأخ أخا له ويقول: هو ابن أبي، ما دام ليس له منازع في ذلك النسب.

فالحارث بن كلدة (الذي كانت سمية جارية له) لم ينازع زيادًا، ولا كان إليه منسوبًا، وإنما كان ابن أمة بغي ولد على فراشه ـ أي في داره ـ فكل من ادعاه فهو له، إلا أن يعارضه من هو أولى به منه، فلم يكن على معاوية في ذلك مغمز، بل فعل الحق على مذهب مالك، فإن قيل: فلم أنكر عليه الصحابة؟ قلنا: لأنها مسألة اجتهاد [2] والحوادث تثبت أن معاوية كان مقتنعًا بحق زياد في ذلك، ولابد أنه كان قد سمع من أبيه ولهذا فإن معاوية كان مؤمنًا بأن عمله لم يكن عملًا موضوعيًا وواجبًا ضروريًا من باب وضع الشيء في محله، ولا ريب أن هذا كان معروفًا عند الناس غير أن معاوية أراد أن يثبته [3] .

س ـ خطبة زياد المعروفة بالبتراء بالبصرة:

لما تولى زياد ولاية البصرة، عام 45 هـ، خطب خطبة بتراء [4] ، لم يحمد الله فيها وقيل: بل حمد الله فقال: الحمد لله على أفضاله وإحسانه، ونسأله المزيد من نعمه، اللهم كما رزقتنا نعمًا، فألهمنا شكرًا على نعمتك علينا. أما بعد، فإن الجهالة الجهلاء، والضلالة العمياء، والفَجر [5] الموقد لأهله النار، الباقي عليهم سعيرها، ما يأتي سفهاؤكم، ويشتمل عليه حلماؤكم، من الأمور العظام، ينبت فيها الصغير، ولا ينحاش منها الكبير، كأن لم تسمعوا بأي الله، ولم تقرءوا كتاب الله، ولم تسمعوا ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته، في الزمن السرمد [6] الذي لا يزول. أتكونون كمن طرفت [7] عينه الدنيا وسدت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية، ولا تذكروا أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا به، من ترككم هذه المواخير المنصوبة، والضعيفة المسلوبة، في النهار المبصر، والعدد غير قليل: ألم تكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج [8] الليل وغاره

(1) الكامل في التاريخ (2/ 471) .

(2) العواصم من القواصم صـ253.

(3) إدارة العراق في صدر الإسلام رمزية عبد الوهاب صـ61.

(4) تاريخ الطبري (6/ 134) .

(5) الفَجر: الانبعاث في المعاصي والزنى القاموس المحيط صـ584.

(6) السرمد: الدائم. القاموس المحيط صـ367.

(7) الطَّرفة: نقطة حمراء من الدم تحدث في العين من ضربة وغيرها.

(8) الدَّلج: السير من أول الليل، القاموس المحيط صـ342.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت