ـ إنَّ أمير المؤمنين عثمان يوم يقرِّر عزل معاوية، فهو واثق، أنَّ أمره خير كلَّهُ، ولا غضاضه في ذلك فهو أمير مأمور، وهو أمر خليفة المسلمين. [1] كان ختام الجلسة مؤسفًا أشدَّ الأسف، مؤلمًا أشدَّ الألم، لقد حذَّرهم نقمة الله، وغضبه، وحذَّرهم الانقياد إلى أهوائهم وغرورهم، فماذا كان منهم مقابل ذلك؟ وثبوا عليه وأخذوا برأسه ولحيته، وعندئذ زجرهم، وقمعهم، ووجَّه لهم كلامًا قاسيًا مبطَّنًا بالتهديد، وعرف: أنَّ هؤلاء يستحيل أن ينصاعوا للحقِّ، فلا بدَّ من إبلاغ أمرهم لأمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وكشف هويَّاتهم، وخطرهم، ليرى فيهم أمير المؤمنين رأيًا آخر [2] .
كتب معاوية إلى عثمان رضي الله عنهما قائلًا: بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله عثمان أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان، أما بعد يا أمير المؤمنين، فإنك بعثت إليَّ أقوامًا يتكلمون بألسنة الشياطين وما يُملون عليهم، ويأتون النَّاس ـ زعموا ـ من قِبَل القرآن فيشبهون على الناس،، وليس كل النَّاس يعلم ما يريدون، وإنما يريدون فرقة ويقربون فتنة، قد أثقلهم الإسلام وأضجرهم، وتمكنت رُقَي الشيطان من قلوبهم، فقد أفسدوا كثيرًا من النَّاس ممن كانوا بين ظهرانيهم من أهل الكوفة، ولست آمن إن أقاموا وسط أهل الشام أن يغروهم بسحرهم وفجورهم فارددهم إلى مصرهم، فلتكن دارهم في مصرهم الذي نجا فيه نفاقهم [3] ، فكتب عثمان إلى سعيد بن العاص بالكوفة، فردّهم إليه، فلم يكونوا إلا أطلق ألسنة منهم حين رجعوا، وكتب سعيد إلى عثمان يضجّ منهم، فكتب عثمان إلى سعيد أن سيِّرهم إلىعبد الرحمن بن خالد بن الوليد،، وكان أميرًا على حمص [4] ،
فلما وصلوا إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، استدعاهم، وكلَّمهم كلامًا شديدًا، وكان ممَّا قاله لهم: يا آلة الشيطان ألا مرحبًا بكم، ولا أهلًا، لقد رجع الشيطان محسورًا خائبًا، وأنتم مازلتم نشيطون في الباطل، خَسَّرَ الله عبد الرحمن إن لم
(1) معاوية بن أبي سفيان، صحابي كبير، وملك مجاهد صـ 114 إلى 117.
(2) معاوية بن أبي سفيان للغضبان صـ 117، 118.
(3) تاريخ الطبري (5/ 331) .
(4) تاريخ الطبري (5/ 331) ..