المؤمنين، فإني أخشى أن يكون هواه معه. فقال علي: دعه، فبعثه وكتب معه كتابًا إلى معاوية يعلمه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته ويخبره بما كان في وقعة الجمل، ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس، فلمَّا انتهى إليه جرير بن عبد الله، أعطاه الكتاب، وطلب معاوية رضي الله عنه عمرو بن العاص ورؤوس أهل الشام، فاستشارهم، فأبوا أن يبايعوا حتى يقتل قتلة عثمان، أو يسلم إليهم قتلة عثمان، وإن لم يفعل قاتلوه ولم يبايعوه حتى يقتلهم عن آخرهم. فرجع جرير إلى علي فأخبره بما قالوا، فقال
الأشتر: ألم أَنْهك يا أمير المؤمنين أن تبعث جريرًا؟ فلو كنت بعثتني لما فتح معاوية بابًا إلا أغلقته. فقال له جرير: لو كنت لقتلوك بدم عثمان.
فقال الأشتر: والله لو بعثتني لم يعنني جواب معاوية ولأعجلنَّه عن الفكرة ولو أطاعني فيك أمير المؤمنين، لحبسك وأمثالك حتى يستقيم أمر هذه الأمَّة. فقام جرير مغضبًا فأقام بقرقيسياء وكتب إلى معاوية يخبره بما قال وقيل له، فكتب إليه معاوية يأمره بالقدوم عليه [1] . وهكذا كان الأشتر سببًا في إبعاد الصحابي جرير بن عبد الله، الذي كان واليًا على قرقيسياء وعلى غيرها ورأسًا في قبيلته بجيلة، ويضطره إلى مفارقة أمير المؤمنين علي، وهذا الصحابي جرير بن عبد الله البجلي قال: ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسم في وجهي، وقال صلى الله عليه وسلم: يطلع عليكم من هذا الباب رجل من خير ذي يمن، على وجهه مسحة مَلَكَ [2] .
استعد أمير المؤمنين علي لغزو الشام، فبعث يستنفر الناس، وجهز جيشًا ضخمًا اختلفت الروايات في تقديره، وكلها روايات ضعيفة [3] ، إلا رواية واحدة حسنة الإسناد ذكرت أنه سار في خمسين ألفًا [4] ، وكان مكان تجمع جند أمير المؤمنين بالنخلة [5] ، وهو على ميلين من الكوفة آنذاك فتوافدت عليه القبائل من شتى أقليم العراق [6] ، واستعمل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أبا مسعود
(1) البداية والنهاية (7/ 265) .
(2) مسلم رقم 2475.
(3) أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (2/ 630) .
(4) تاريخ خليفة صـ 193 بسند حسن.
(5) النخلة: موقع قرب الكوفة من جهة الشام، معجم البلدان (5/ 278) .
(6) خلافة علي بن أبي طالب، لعبد الحميد صـ 188.