الحق وأنهم على الباطل [1] ، ثم أخذ في التقدم، وفي يده الحربة ترعد ـ لكبر سنه ـ ويشتد على حامل الراية هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ويستحثه في التقدم ويرغبه ويطمعه فيما عند الله من النعيم، ويطمع أصحابه أيضًا فيقول: أزفت الجنة وأزينت الحور العين، من سره أن تكتنفه الحور العين، فليتقدم بين الصفين محتسبًا وكان منظر مؤثر فهو صحابي جليل مهاجري بدري جاوز الرابعة والتسعين يمتلك كل هذا الحماس وهذا العزم والروح المعنوية العالية واليقين الثابت، فكان عاملًا هامًا من عوامل حماس جيش العراق ورفع روحهم المعنوية مما زادهم عنفًا وضراوة وتضحية في القتال حتى استطاعوا أن يحولوا المعركة لصالحهم وتقدم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وهو يرتجز بقوله:
أعور يبغي أهله مَحَلاَّ ... قد عالج الحياة حتى ملاَّ
لا بد أن يَفُلّ أو يُفَلاَّ [2]
وعمار يقول: تقدم يا هاشم، الجنة تحت ظلال السيوف، والموت في أطراف الأسل [3] ، وقد فتحت أبواب السماء وتزينت الحور العين
اليوم ألقى الأحبة ... محمّدًا وحزبه [4]
وعند غروب الشمس ذلك اليوم الخميس، طلب عمار شربة من لبن ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: إن آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن [5] . ثمّ تقدم واستحث معه حامل الراية هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري فلم يرجعا وقتلا [6] رحمهما الله رضي الله عنهما.
عادت الحرب في نفس الليلة بشدة وإندفاع لم تشهدها الأيام السابقة وكان اندفاع أهل العراق بحماس وروح عالية حتى أزالوا أهل الشام عن أماكنهم، وقاتل
(1) مجمع الزوائد (7/ 243) ، خلافة علي بن أبي طالب، عبد الحميد صـ 219 إسناده حسن.
(2) تاريخ الطبري (5/ 652) .
(3) الأسل: الرماح.
(4) تاريخ الطبري (5/ 652) .
(5) مصنف ابن أبي شيبة (15/ 302، 303) . بسند منقطع.
(6) تاريخ الطبري (5/ 652) .