فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 505

وقال معاوية رضي الله عنه: العقل والحلم أفضل ما أعطي العبد, فإذا ذُكِّر ذكر وإذا أُعطي شكر, وإذا بتلي صبر, وإذا غضب كظم, وإذا قدر غفر, وإذا أساء استغفر, وإذا وعد أنجز [1] ففي هذا الخبر جمع أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه دررًا من الحكم, وهي الشكر عند الرخاء, والصبر عند الابتلاء والتحكم في السلوك عند الغضب, والعفو عند المقدرة, والوفاء بالوعد, والاستغفار عند الإساءة, فهذا الخبر على قصره قد جمع ستة موضوعات, كل موضوع يحتاج إلى أن يكتب عنه في صفحات, وهذا من جوامع الكلم, وهو يعتبر من أعلى أنواع البلاغة, وذلك في جمع المعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة, وقد اشتهر في هذا البيان عدد من الصحابة رضي الله عنهم تتلمذوا في ذلك على رسول الله صلى الله الذي أوتي جوامع الكلم [2] .

ومن الصفات التي تميز بها معاوية رضي الله عنه صفة الدهاء والحيلة ومما يروى من دهائه وحسن إدارته وتدبيره, أن المسلمين غزوا في أيامه فأسر جماعة منهم, فوقفوا بين يدي ملك الروم

بقسطنطينية, فتكلم بعض أسارى المسلمين, فدنا منه بعض البطارقة [3] , ممن كان واقفًا بين يدي الملك فلطم حرّ وجهه [4] , وكان رجلًا من قريش فصاح: واسلاماه أين أنت عنا يا معاوية إذ أهملتنا وأضعت ثغورنا وحكَّمت العدو في دمائنا وأعراضنا فنمى ذلك الخبر إلى معاوية, فآلمه وامتنع من لذيذ الطعام والشراب, فخلا بنفسه, وامتنع عن الناس ولم يظهر ذلك لأحد من المخلوقين, ثم أعمل الحيلة في إقامة الفداء بين المسلمين والروم, إلى أن فدى ذلك الرجل, ومن أسر معه من المسلمين, فلما صار الرجل إلى دار الإسلام, دعاه معاوية فبره وأحسن إليه ثم قال له: لم نهملك, ولم نضيعك, ولا أبحنا دمك وعرضك ومعاوية أثناء ذلك يدبر الرأى ويعمل الحيلة ثم بعث إلى رجل من ساحل دمشق من مدينة صور, وكان عارفًا كثير الغزوات في البحر صُمكّ [5] من الرجال مرطان بالرومية, فأحضره وخلابه, وأخبره بما قد عزم عليه وسأله إعمال

(1) أنساب الأشراف (5/ 336) .

(2) التاريخ الإسلامي (19/ 355,20) .

(3) البطارقة: جمع بطريق وهو رئيس الأساقف والاسقف رجل الكنيسة.

(4) لطم حرّ وجه: ما ظهر منه.

(5) الصمك والصموك: القوي الشديد, والغليظ الجافي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت