فلو خلوها وشأنها لاستطاعت الدفاع عن نفسها، متخففة من أعباء هؤلاء الحكام، ومن جنون العظمة الذى استولى عليهم ...!! ثم إن الإسلام ينكر أساليب العسف التى يلجأ إليها أولئك المستبدون في استدامة حكمهم واستتباب الأمر لهم ... إنه يحرم أن يضرب إنسان ظلما، أو أن يسفك دمه ظلما. فما تساوى الحياة كلها شيئا إذا استرخصت فيها حياة فرد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق". فأشد الجرائم نكرا، أن يقتل امرؤ من الناس توطيدا لعزة ملك أو سيطرة حاكم .. وفى حديث عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يجيئ المقتول يوم القيامة آخذا قاتله- وأوداجه تشخب دما- عند ذى العزة- جل شأنه- فيقول: يا رب، سل هذا، فيم قتلى؟ فيقول المولى عز وجل: فيم قتلته؟ قال: قتلته لتكون العزة لفلان ... قيل: هى لله". وفى التعذيب دون القتل، وهو ما ينتشر في سجون الظلمة، يروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من جرد ظهر مسلم بغير حق لقى الله وهو عليه غضبان". ويقول أيضا:"ظهر المسلم حمى، إلا بحقه". يعنى أن المسلم لا يجوز أن يمس بسوء أبدا، إلا أن يرتكب ذنبا أو يصيب حدا، فعندئذ يؤخذ منه الحق الثابت في دين الله. إن الجو الملئ بما يصون الكرامات، ويقدس الدماء والأموال والأعراض هو الجو الذى يصنعه الإسلام للناس كافة، وهو بداهة الجو الذى يحسنون فيه العمل والإنتاج. فحيث تسود الطمأنينة، ويختفى الرعب، ينصرف العامة إلى تثمير أموالهم وتكثير ثرواتهم، لأنهم واثقون أن حصاد ما يغرسون لهم ولذراريهم، فهم غير مدخرين وسعا في العمل والإنتاج .. إلا أن هذه البيئة الوادعة الآمنة المشجعة على الكدح والكسب تقلصت رقعتها في الأمة الإسلامية خلال القرون الأخيرة!! 041