قال: إذن ما هنا؟ قلت: كأن حريقا اندلعت نيرانه، وكل امرئ يفر من لفحه، ويحث الخطا بعيدا عنه ونجاة بنفسه ... ! الميادين والشوارع ملأى بأناس يجرون في كل ناحية، ما يفكر أحدهم إلا في غايته، وما يحس إلا حاجته، وما يعنيه من شئون الآخرين قليل ولا كثير!!؟ الأثرة تكاد تحطم كل خلق وكل مسلك .. وما بهذا تقوم أمة أو تستقيم حضارة ... ! وقد تأملت في تعاليم الإسلام فوجدت الدعامة الأولى في بناء أمته هى الأخوة .. الأخوة التى تخلع الإنسان خلعا من نطاق الأسرة، وتدفعه دفعا إلى الامتزاج بغيره، ومخالطته في السراء والضراء، والتكاتف معه على الشدة والرخاء (والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) . وانظر إلى المثل الذى ضرب لهذه الجماعة المؤمنة (كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه .. ) . وقد بدأ الإسلام فجعل الجوار الحسن أول تشابك للخيوط التى تنسج الأمة، وتمتد بها لحمتها وسدادها. وللجوار حقوق عظام نزل جبريل من الملأ الأعلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصى بها ويوثق عراها .. ، وإن كنت اليوم ترى العمارة الكبيرة فيها عشرات الأسر متجاورة. وأحسن أحوالها أن تغلق كل أسرة بابها على نفسها، فما تحب أن يعرفها أحد، أو تعرف أحدا .. وقد تجمع بينهم المصادفات في تلاق عابر، حسبهم منه السلام المؤدب!!. هذه أحسن الأحوال ... على طريقة الشاعر: إنا لفى زمن ترك القبيح به من أكثر الناس إحسان وإجمال.! 119