كان الخارجون عليه يطلبون منه ثلاثة أمور كما جاء ذلك عند ابن سعد في الطبقات (3/ 72 - 73) ، قال عثمان للأشتر: يا أشتر ما يريد الناس مني؟ قال: ثلاث ليس لك من إحداهن بدّ، قال: ما هن؟ قال: يخيرونك بين أن تخلع لهم أمرهم، فتقول هذا أمركم فاختاروا من شئتم، و بين أن تقصّ من نفسك، فإن أبيت هاتين فإن القوم قاتلوك. قال: أما ما من إحداهن بدّ؟ قال: لا، ما من إحداهن بدّ. قال: أما أن أخلع لهم أمرهم، والله لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إليّ من أن أخلع أمة محمد بعضها على بعض، و أما أن أقص من نفسي فوالله لقد علمت أن صاحبي بين يديّ قد كان يعاقبان و ما يقوم بدّ من القصاص، و أما أن تقتلوني فوالله لئن قتلتموني لا تحابّون بعدي أبدًا و لا تصلون بعدي جميعًا أبدًا و لا تقاتلون بعدي عدوًا جميعًا أبدًا.
و لهذا احتج عثمان رضي الله عنه على المحاصرين بقوله: إن وجدتم في كتاب الله - و في رواية - في الحق أن تضعوا رجليَّ في قيد فضعوها. تاريخ خليفة (ص171) و أحمد في فضائل الصحابة (1/ 492) قال المحقق: إسناده صحيح، و انظر: الطبقات (3/ 69 - 70) بلفظ قريب.
و أخرج أحمد في فضائل الصحابة (1/ 464) و في المسند (1/ 63) و الترمذي في السنن (4/ 460 - 461) و ابن ماجة في السنن (2/ 847) و أبو داود في سننه (4/ 640 - 641) بإسناد حسن أن عثمان رضي الله عنه أشرف على الذين حصروه فقال: علام تقتلوني! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم، أو قتل عمدًا فعليه القود، أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل. فوالله ما زنيت في جاهلية و لا إسلام، ولا قتلت أحدًا فأقيد نفسي منه، ولا ارتدت منذ أسلمت و إني اشهد ألا إله إلا الله و أن محمدًا عبده و رسوله ففيما تقتلوني؟!.
و ثبت أن عثمان اتخذ موقفًا واضحًا حاسمًا يتمثل في عدم المقاومة، وأنه ألزم به الصحابة فقال: أعزم على كل من رأى عليه سمعًا و طاعة إلا كفّ يده و سلاحه، فخرج كل من الحسن و الحسين و عبد الله بن عمر و أصر عبد الله بن الزبير على البقاء و معه مروان بن الحكم، فلما طلب منه ابن الزبير أن يقاتل الخارجين، قال عثمان: لا والله لا أقاتلهم أبدًا. تاريخ خليفة (ص173 - 174) و مصنف ابن أبي شيبة (15/ 204) و طبقات ابن سعد (3/ 70) و كلهم بأسانيد صحيحة.
و ممن أراد القتال دفاعًا عن عثمان الصحابي أبو هريرة و كان متقلدًا سيفه، لكن عثمان لم يأذن له قائلًا: يا أبا هريرة أيسرك أن تقتل الناس جميعًا و إياي؟ قال: لا، قال: فإنك والله إن قاتلت رجلًا واحدًا فكأنما قُتل الناس جميعًا. قال أبو هريرة: فرجعت و لم أقاتل. الطبقات لابن سعد (3/ 70) و تاريخ خليفة (ص173) و إسنادهما صحيح.
و استمر الحصار عليه رضي الله عنه حتى أنهم منعوا عنه الماء، فوصل الخبر إلى أمهات المؤمنين فتحركت أم حبيبة رضي الله عنها و كانت من أقارب عثمان، فأخذت الماء و جعلته تحت ثوبها، و ركبت البغل و اتجهت نحو دار عثمان، فدار بينها وبين أهل الفتنة كلام فقال الأشتر كذبت بل معك الماء و رفع الثوب فرأى الماء فغضب و شق الماء، قال كنانة مولى صفية: كنت أقود بصفية لتردَّ عن عثمان فلقيها الأشتر فضرب وجه بغلتها حتى مالت فقالت: ردوني و لا يفضحني هذا الكلب. التاريخ الكبير للبخاري (7/ 237) و ابن سعد في الطبقات (8/ 128) بإسناد صحيح. و كذلك الطبري (4/ 385 - 386) .
و في رواية عند الإمام أحمد في فضائل الصحابة من طريق الحسن البصري قال: لما اشتد أمرهم يوم الدار، قال: قالوا فمن، فمن؟ قال: فبعثوا إلى أم حبيبة فجاؤوا بها على بغلة بيضاء و ملحفة قد سترت، فلما دنت من الباب قالوا: ما هذا؟ قالوا: أم حبيبة، قالوا: والله لا تدخل، فردوها. فضائل الصحابة (1/ 492) .و قال المحقق إسناده صحيح.
و حدثت بعض المناوشات بين شباب الصحابة و الثوار فجرح خلالها بعض الصحابة أمثال الحسن بن علي
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)