فكان اختصار الكلام على ما ترى - بوقفهم بادئ ذي بدء في موقف الاتهام - إسراعًا بتسديد (12) سهم الحجة إلى هدفها، وتنبيهًا في الوقت نفسه على أنهم ذرية بعضها من بعض، وأنهم سواسية في الجرم، فعلى أيهم وضعتَ يدك فقد وضعتها على الجاني الأثيم؛ لأنهم لا ينفكون عن الاستنان بسنة أسلافهم، أو الرضى عن أفاعيلهم، أو الانطواء على مثل مقاصدهم.
(3) وانظر كيف زاد هذا المعنى ترشيحًا بإخراج الجريمة الأولى - وهي جريمة القتل - في صيغة الفعل المضارع تصويرًا لها بصورة الأمر الواقع الآن، كأنه بذلك يعرض علينا هؤلاء القوم أنفسهم وأيديهم ملوثة بتلك الدماء الزكية.
(4) ولقد كان التعبير بهذه الصيغة مع ذكر الأنبياء بلفظ عام مما يفتح بابًا من الإيحاش لقلب النبي العربي الكريم، وبابًا من الإطماع لأعدائه في نجح تدابيرهم ومحاولاتهم لقتله؛ فانظر كيف أسعفَنا بالاحتراس عن ذلك كله بقوله (مِنْ قَبْلُ) فقَطع بهذه الكلمة أطماعهم وثبَّت بها قلبَ حبيبه، إذ كانت بمثابة وعده إياه بعصمته من الناس؛ ذلك إلى ما فيها من تنبيه على أصل وضع الكلام وعلى ما صنع به من التجوز المذكور آنفًا في الإسناد وفي الصيغة.
(5) وانظر كيف جيء بالأفعال في الجرائم التالية على صيغة الماضي بعد أن وطّأ لها بهذه الكلمة: (مِنْ قَبْلُ) فاستقام التاريخ على وضعه الطبيعي حين لم تبق هناك حاجة إلى مثل التعبير الأول (13) .
(6) وانظر إلى الآداب العالية في عرض الجريمة الثانية وهي جريمة الشرك؛ فإنها لما كانت أغلط من سابقتها وأشدَّ نُكرًا في العقول نبّه على ذلك ألطف تنبيه بحذف أحد ركنيها، فلم يقل: (اتخذتم العجل إلهًا) ، بل طوى هذا المفعول الثاني استبشاعًا للتصريح به في صحبة الأول، وبيانًا لما بينهما من مفارقة؛ وكم في هذا الحذف من تعبير وتهويل!! فربَّ صمت هو أنطق بالحُكم، وأنكى في الخصم.
(7) ثم أنظر إلى النواحي التي أوثر فيها الإجمال على التفصيل، إعراضًا عن كل زيادة لا تمس إلها حاجة البيان في الحال، فقد قال: إن القرآن مصدق لما معهم، ولم يبين مدى هذا التصديق: أفي أصول الدين فحسب، أم في الأصول والفروع جميعًا، أم في الأصول وبعض الفروع وإلى أي حد؟ ذلك أن (كلام الملك) [في الأصل: أن هذا كلام الملوك] لا يتنزل إلا بقدرٍ معلوم؛ وماذا يَعني الداعيَ إلى أصل الإيمان أن يمتد التطابق بين الأديان إلى فروعها أو لا يمتد؟ فليبحث علماء التشريع!
وقال: إنهم يقتلون أنبياء الله؛ فمن هم أولئك الأنبياء؟ … ليبحث علماء التاريخ!
وقال: إن موسى جاءهم بالبينات؛ فكم هي؟ وما هي؟
وقال: إنه أخذ عليهم ميثاقهم؛ فعلى أي شيء كان الميثاق؟
إن حكمة البيان القرآني لأَجَلُّ من أن تَعرِض لهذه التفاصيل في مثل هذا الموضع؛ ولو ذكرت هاهنا لكان مثلها مثل من يُسْأل: لِم ضربت عبدك؟ فيقول: لأنه ضرب غلامًا اسمه كذا واسم أبيه كذا وحِليته كذا وولد في عام كذا؛ ألا ترى أن هذا زائد وكثير؟! [14] .
(8) ولو ذهبنا نتتبع سائر ما في هذه القطعة من اللطائف لخرجنا عن حد التمثيل والتنبيه الذي قصدنا إليه؛ فلنكتف بتوجيه نظرك فيها إلى سر دقيق لا تراه في كلام الناس، ذلك أن المرء إذا أهمه أمر من الدفاع أو الإقناع أو غيرهما بدت على كلامه مسحة الانفعال بأغراضه وكان تأثيره بها في نفسك على قدر تأثره هو، طبعًا أو تطبعًا، فتكاد تحس بما يخالجه من المسرة في ظفره ومن الإمتعاض في إخفاقه، بل تراه يكاد يهلك أسفًا لو أعرض الناس عن هداه إذا كان مؤمنًا بقضيته، مخلصًا في دعوته، كما هو شأن الأنبياء عليهم السلام؛ أما هنا فإنك تلمح وراء الكلام قوة أعلى من أن تنفعل بهذه الأغراض، قوة تؤثر ولا تتأثر، تصف لك الحقائق خيرها وشرها في عزةِ مَن لا ينفعه خيرٌ واقتدارِ من لا يضره شر؛ هذا الطابع من الكبرياء والعظمة تراه جليًا من خلال هذا الأسلوب المقتصد في حجاجه أخذًا وردًا، المقتصد في وصفه مدحًا وقدحًا.
انظر إليه حين يجادل عن القرآن فلا يزيد في وصفه على هذه الكلمة: (هُوَ الحَقُّ) ؛ نعم إنها كلمة تملأ النفس، ولكن هل تُشبعك أيها الإنسان تلك الكلمة إذا أردت أن تصف حقيقة من الحقائق التي تقنع بها وتحب أن تُقنع بها الناس؟
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)