وهذا كثير في القرآن الكريم، ذكرنا منه أمثلة كثيرة في كتاب (الفوائد المكية) وبينا هناك السر في مجيء (الذين آتيناهم الكتاب) [البقرة 121] (الذين أوتوا الكتاب) [البقرة 101] والفرق بين الموضعين، وأنه حيث ذكر الفاعل كان من آتاه الكتاب واقعًا في سياق المدح، وحيث حذفه كان من أوتيه واقعًا في سياق الذم أو منقسمًا؛ وذلك من أسرار القرآن الكريم؛ ومثله (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) [فاطر 32] وقال: (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى) [الأعراف 169] .
وبالجملة فالذي يضاف إلى الله تعالى كله خير وحكمة ومصلحة وعدل، والشر ليس إليه). انتهى كلام ابن القيم.
وهذه بعض الآيات التي ورد فيها إحدى العبارتين:
قال تعالى: (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكًا عظيمًا) [النساء: 54]
وقال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) [الجاثية 16]
وقال سبحانه: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ؛ وإذا يتلى عليهم قالوا ءامنا به إنه الحق من ربنا) [القصص 52]
وقال سبحانه: (نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [البقرة 101]
وقال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ) [آل عمران 23]
وقال سبحانه: (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [آل عمران186] .
ـ [محمد خلف سلامة] ــــــــ [30 - 04 - 08, 11:13 ص] ـ
الفرق البلاغي العظيم بين قوله تعالى (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه) وأن يقال مثلًا: (أيرضى إنسانٌ أن يغتاب إنسانًا آخر) ؟ أو أن يقال: (أيرضى إنسان أن يمزّق إنسانًا) ؟ أو (أيحب أحدكم أن يغتاب أخاه) ؟
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (اعلام الموقعين) (1/ 170) في تدبره لهذه الآية الكريمة (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا من الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أحدكم أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) :
(وهذا من أَحْسَنِ الْقِيَاسِ التَّمْثِيلِيِّ، فإنه شَبَّهَ تَمْزِيقَ عِرْضِ الْأَخِ بِتَمْزِيقِ لَحْمِهِ.
وَلَمَّا كان الْمُغْتَابُ يُمَزِّقُ عِرْضَ أَخِيهِ في غَيبَتِهِ كان بِمَنْزِلَةِ من يُقَطِّعُ لَحْمَهُ في حَالِ غَيبَةِ رُوحِهِ عنه بِالْمَوْتِ.
وَلَمَّا كان الْمُغْتَابُ عَاجِزًا عن دَفْعِهِ عن نَفْسِهِ - بِكَوْنِهِ غَائِبًا عن ذَمِّهِ - كان بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ الذي يُقَطَّعُ لَحْمُهُ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ عن نَفْسِهِ.
وَلَمَّا كان مُقْتَضَى الْأُخُوَّةِ التَّرَاحُمَ وَالتَّوَاصُلَ وَالتَّنَاصُرَ فَعَلَّقَ عليها الْمُغْتَابُ ضِدَّ مُقْتَضَاهَا من الذَّمِّ وَالْعَيْبِ وَالطَّعْنِ: كان ذلك نَظِيرَ تَقْطِيعِ لَحْمِ أَخِيهِ؛ وَالْأُخُوَّةُ تَقْتَضِي حِفْظَهُ وَصِيَانَتَهُ وَالذَّبَّ عنه.
وَلَمَّا كان الْمُغْتَابُ مُتَمَتِّعًا بِعَرْضِ أَخِيهِ مُتَفَكِّهًا بِغِيبَتِهِ وَذَمِّهِ مُتَحَلِّيًا بِذَلِكَ: شُبِّهَ بِآكِلِ لَحْمِ أَخِيهِ بَعْدَ تَقْطِيعِهِ.
وَلَمَّا كان الْمُغْتَابُ مُحِبًّا لِذلِكَ مُعْجَبًا بِهِ: شُبِّهَ بِمَنْ يُحِبُّ أَكْلَ لَحْمِ أَخِيهِ مَيْتًا.
وَمَحَبَّتُهُ لِذلِكَ قَدْرٌ زَائِدٌ على مُجَرَّدِ أَكْلِهِ؛ كما أَنَّ أَكْلَهُ قَدْرٌ زَائِدٌ على تَمْزِيقِهِ.
فَتَأَمَّلْ هذا التَّشْبِيهَ وَالتَّمْثِيلَ وَحُسْنَ مَوْقِعِهِ وَمُطَابِقَةَ الْمَعْقُولِ فيه الْمَحْسُوسَ.
وَتَأَمَّلْ إخْبَارَهُ عَنْهُمْ بِكَرَاهَةِ أَكْلِ لَحْمِ الْأَخِ مَيْتًا، وَوَصْفَهُمْ بِذلِكَ في آخَرِ الْآيَةِ، وَالْإِنْكَارَ عليهم في أَوَّلِهَا أَنْ يُحِبَّ أَحَدُهُمْ ذلك؛ فَكَمَا أَنَّ هذا مَكْرُوهٌ في طِبَاعِهِمْ فَكَيْفَ يُحِبُّونَ ما هو مِثْلُهُ وَنَظِيرُهُ؛ فَاحْتَجَّ عليهم بِمَا كَرِهُوهُ على ما أَحَبُّوهُ؛ وَشَبَّهَ لهم ما يُحِبُّونَهُ بِمَا هو أَكْرَهُ شَيْءٍ إلَيْهِمْ وَهُمْ أَشَدُّ شَيْءٍ نُفْرَةً عنه؛ فَلِهَذَا يُوجِبُ الْعَقْلُ وَالْفِطْرَةُ وَالْحِكْمَةُ أَنْ يَكُونُوا أَشَدَّ شَيْءٍ نُفْرَةً عَمَّا هو نَظِيرُهُ وَمُشْبِهُهُ؛ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ). انتهى كلامه رحمه الله.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)