ونحن نمشي، في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، تحدث عبد الله في هذا الحديث عن أمرين اثنين:
1 -عن الشرب من قيام.
2 -وعن الأكل ماشيًا.
وأن هذا كان أمرًا واقعًا في عهد الرسول عليه السلام، فما هو الحكم الشرعي بالنسبة لهذين الأمرين: الشرب قائمًا والأكل ماشيًا؟ إذا طبقنا كلامنا السابق نستطيع أن نأخذ الحكم طبعًا بضميمة لا بُدَّ منها وهي: من كان على علمٍ بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قولًا وفعلًا وتقريرًا، فإذا رجعنا إلى السنة الصحيحة فيما يتعلق بالأمر الأول الذي ابْتُلِيَ كثير من المسلمين إنْ لم أقل ابْتُلِيَ به أكثر المسلمين بمخالفة قول الرسول الكريم، ألا وهو: الشرب قائمًا - كانوا يشربون قيامًا كانوا يلبسون الذهب كانوا يلبسون الحرير هذه حقائق لا يمكن إنكارها - لكن هل أقر الرسول ذلك؟ الجواب: أنكر شيئًا وأقر شيئًا، فما أنكره صار في حدود المُنْكَر، وما أقره صار في حدود المعروف، فأنكر الشرب قائمًا في أحاديث كثيرة - ولا أريد الإفاضة فيها حتى ما نخرج:
أولًا: عما خططنا لأنفسنا من أن نختصر الكلام في هذا الموضوع إفساحًا لمجال الأسئلة.
وثانيًا: إن هذه المسألة لِوَحْدِها تحتاج إلى جلسة خاصة.
لكن حسبي أن أروي لكم حديثًا صحيحًا أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الشرب قائمًا) وفي لفظٍ: (زَجَرَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الشرب قائمًا) إذن هذا الذي كان يفعل بشهادة حديث ابن عمر في عهد الرسول عليه السلام قد نهى هو عنه، فصار ما كانوا يفعلونه أمرًا ملغياًّ، بِنَهْيِ الرسول عنه، لكن الشطر الثاني من الحديث وهو: أنهم كانوا يأكلون وهم يمشون، ما جاءنا نَهْيٌ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستفدنا من هذا الإقرار حكمًا شرعيًا، إلى هنا أكتفي الآن لبيان ضرورة الاعتماد على فهم الكتاب والسنة على ما كان عليه السلف الصالح وليس أن يستقل الإنسان بفهم الكتاب والسنة كيف ما بدا لعلمه إن لم نقل: لجهله، لكن لابد بعد أن تَبَيَّنَ أهمية هذا القيد (على منهج السلف الصالح) أن أُقَرِّبَ لكم بعض الأمثلة: قديمًا تفرق المسلمون إلى فرق كثيرة: تسمعون بالمعتزلة، تسمعون بالمرجئة، تسمعون بالخوارج، تسمعون بالزيدية فضلًا عن الشيعة الرافضة وهكذا، ما في هؤلاء طائفة مهما كانت عريقةً في الضلال لا يشتركون مع سائر المسلمين، في قولهم: نحن على الكتاب والسنة، ما أحد منهم يقول: نحن لا نتبنى الكتاب والسنة، وإلا لو قال أحد منهم هذا خرج من الإسلام بالكلية، إذن، لماذا هذا التفرق ما دام أنهم جميعًا يعتمدون على الكتاب والسنة؟ وأنا أشهد أنهم يعتمدون على الكتاب والسنة، ولكن كيف كان هذا الاعتماد؟ دون الاعتماد على الأصل الثالث: (على ما كان عليه السلف الصالح) مع ضميمةٍ أخرى لابد أيضًا من التنبيه عليها وهي: أن السنة تختلف كل الاختلاف عن القرآن الكريم، من حيث: أن القرآن الكريم محفوظ بين دفتي المصحف كما هو معلوم لدى الجميع، أما السنة فهي:
أولًا: موزعة في مئات الكتب - إن لم أقل: ألوف الكتب - منها قسم كبير جدًا لا يزال في عالم الغيب في عالم المخطوطات، ثم حتى هذه الكتب المطبوعة منها اليوم فيها الصحيح وفيها الضعيف، فالذين يعتمدون على السنة سواء كانوا من الذين ينتمون إلى أهل السنة والجماعة وعلى منهج السلف الصالح، أو كانوا من الفرق الأخرى، كثير من هؤلاء من لا يميزون السنة الصحيحة من الضعيفة، فيقعون في مخالفة الكتاب والسنة، بسبب اعتمادهم على أحاديث ضعيفة أو موضوعة، الشاهد: هناك بعض الفرق التي أشرنا إليها تُنْكِرُ بعض الحقائق القرآنية والأحاديث النبوية قديمًا وأيضًا حديثًا، القرآن الكريم يثبت ويبشر المؤمنين بنعمة عظيمة جدًا يحظَوْن بها يوم يلقون الله عز وجل في جنة النعيم، حيث يتجلى رب العالمين عليهم فيرونه، كما قال ذلك العالم السلفي:
يراه المؤمنون بغير كيف. وتشبيهٍ وضربٍ من مثالِ.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)