وما دام الوقف والابتداء يتحدد موضعه ونوعه على أساس القواعد النحوية ووجوه الإعراب المحتملة ابتغاء فهم النص، فأننا نجد كتب الوقف والابتداء جمعت بين النحو ووجوه التفسير الواردة عن طريق الخبر مع وجوه القراءات وعلى أساس من الفهم يتحدد مواطن الوقف ونوعه إن كان تامًا أو كافيًا أو حسنًا أو قبيحًا.
ولقد توهم من قال بأن القرآن هو الأصل واللغة العربية تابعة له ناسيًا قول الله تعالى (قرآنًا عربيًا غير ذي عوج لعلهم يتقون) الزمر/28، وقوله عز وجل: (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربيٌّ مبين) النحل/103، فنسب سبحانه وتعالى القرآن الكريم إلى اللغة العربية جاعلًا منها الأصل.
فعلى من يتصدر لمجالس الإقراء أن يكون ممن يجيد اللغة العربية من نحو وصرف وفقه لغة، إضافة لعلم القراءات وبقية علوم القرآن، لا أن ينقل ما سمع من غير دراية ما يقرأ، حتى إذا سُئل أجاب بعلم، لا بقول: (هكذا هو يُقرأ) ، بلا تعليل سبب يدفع حيرة السائل!! ولذلك نجد أن ابن الجزري ينص على من يدعي القراءة وعلمه بالنحو قليل، وهو في مجال تعداد شروط معرفة القارئ إذ يقول: وأن يحصّل - أي المقرئ - جانبًا من النحو والصرف بحيث أن يوجه ما يقع له من القراءات، وهذا من أهم ما يحتاج إليه، وأن لا يخطئ في كثير مما يقع في الوقف والإحالة وغيره، وما أحسن قول الإمام أبي الحسن الحصري:
لقد يدعي علم القراءات معشر وباعهم في النحو أقصر من شبر
فأن قيل ما إعراب هذا ووجهه رأيت طويل الباع يقصر عن فتر [10] ( http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=57#_ftn10)
فبين علوم القرآن الكريم وعلوم اللغة العربية ترابط محكم، وأن علوم اللغة العربية جميعها نشأت حول القرآن وخدمة له، فمتن اللغة اهتم قبل كل شيء بشرح مفردات القرآن، وتجد غير واحد من المؤلفين الأولين ألف في"غريب القرآن"و"غريب الحديث".
والنحو والصرف أنشأ لعصمة اللسان عن الخطأ في التلاوة أول الأمر،وكان الحافز على التفكير في وضعهما أخطاء التلاوة بلغت مسامع المسؤولين فتنادوا لتداول الأمر.
وعلوم البلاغة همها جلاء روعة البيان القرآني لأذهان الناس ليذوقوا حلاوته وتتلقح ملكاتهم بفصاحته، لذا كان أمرًا طبيعيًا قيام أئمة القراء بعلوم العربية، وهذا الإمام ابن مجاهد مسبَّع السبعة يقول: لا يقوم بالتمام إلا نحوي عالم بالقراءات عالم بالتفسير عالم بالقصص وتلخيص بعضها من بعض عالم باللغة التي نزل بها القرآن [11] ( http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=57#_ftn11) !!
ولعظيم قدر الوقف وجليل خطره قال النكزاوي: باب الوقف عظيم القدر جليل الخطر كلأنه لا يتأتى لأحد معرفة معاني القرآن ولا استنباط الأدلة الشرعية منه إلا بمعرفة الفواصل [12] ( http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=57#_ftn12) .
ولقد تظافرت جهود أهل العلم والفكر وأُولي العبقريات النادرة في هذه الأمة العظيمة على خدمة اللغة العربية من أنحاء شتى متقاربة حينًا ومتباعدة حينًا، من حيث كانت لغة القرآن الكريم مصدر التشريع والتنظيم الكافلين خير الناس قاطبة، فمن هذه الجهود المباركة فيما نمى، علوم اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة وفقه لغة.
ولم يكن كتبة الوحي الذي كان النبي ( e) يملي عليهم كلما أُوحي إليه شيء من قبيلة واحدة، بل كانوا من قبائل عدة فيهم القرشي وغيره، وكان الناس على اختلاف قبائلهم ولهجاتهم في سعة من أمرهم في قراءة سمعها من إنسان عمّا اقرأه الرسول هرع إليه شاكيًا فسمع الرسول من كلٍّ قراءته، فأقره عليها قائلًا: هكذا أنزلت. وكان التغيير لا يعدوا تنوع أداء أحيانًا من حيث الإمالة أو الترقيق لبعض الحروف أو التفخيم، أو ضبط المضارع الرباعي مثل (نُنزِلُ أو نُنَزَّلُ) تخفيفًا أو تشديدًا، أو تغاير لفظين والمعنى واحد، إلى أخر ما أحصوا من أحوال أطلقوا عليها (خلافًا) وما هي بخلاف إذ لم تكن تؤدي إلى نقص معنى أو تغيير حكم، وكلها مسندة إسنادًا صحيحًا إلى رسول الله ( e) تعدد سامعوها منه، وعرفوا من أمر هذه الرخصة ما لم يكونوا على علم به، وكان من كلام عبد الله بن مسعود ( t) لما خرج من الكوفة لجماعة أصحابه المودعين:. . . ولقد رأيتنا نتنازع فيه عند
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)