ـ [د أحمد شوكه] ــــــــ [23 - 06 - 07, 07:13 م] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
يتجه القرآن الكريم في حواره مع الآخر ضمن منهجيّة عالية المستوى رفيعة القدر والمحتوى , وذلك من بداياته الأولى؛ لتكون طريقًا يُهتدى به ومسلكًا يتخذه المتحاورون في حواراتهم لإقناع بعضهم بعضًا سواء في الأمور الدّنيويّة أم الأخرويّة؛ ولترسيخ الوحدة البشريّة , ويُعدّ المنهج القرآني قانونًا يُلائم كلّ زمان ومكان ٍحتى قيام السّاعة , وسنتعرّف على ذلك - باختصار- من خلال ما يأتي ..
*المنهجية العامّة للحوار في القرآن الكريم: إذا ما نظرنا إلى حوار القرآن الكريم بأنواعه كلها نظرة شاملة , دون تحديد أيّ نوع , تبيّن لنا ما يأتي ..
1ـ الشمول والتنوّع: إنّ القرآن الكريم لم يقتصر في حواراته على طرح قضيّة معيّنة وكيفية معالجتها , أو نوع معيّن كالعقيدة وحدها , أو العبادات أو المعاملات , بل شمل جوانب الحياة كلها دينيّة كانت أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية وما شاكل ذلك , وهذا يدلل على أنّ الحوار في القرآن كان غرضًا أساسيًّا وأسلوبًا ناجحًا في تحقيق أغراضه الشاملة لكل جوانب الإصلاح فرديّة كانت أو جماعية.
2ـ إظهار الحجة وإقناع العقل: إن القرآن الكريم ينطلق في حواره إلى إبراز الحجة والمنطق وإقناع العقل بالعلم والبرهان , ويدعوا إلى التحاور والجدال بالحكمة والموعظة الحسنة: فما أكثر ما يرد في القرآن: {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} [البقرة:111، الأنبياء:24، النمل:64، القصص:75] ، وقال تعالى مرشدًا إلى اعتماد العلم والحجة في الحوار: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [آل عمران:66] , {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [الحج:8، لقمان:20] . وفي اتباع اللين والحكمة والموعظة الحسنة يأمر الله موسى عليه السلام: {اذهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي، اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فقولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه:42 - 44] ويأمر بإتباع الحكمة في الدعوة: {وَمَنْ أَحْسَنُ قولًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:33 - 34] ؛ وتأكيدًا لهذا المنهج ينهى الله المؤمنين عن إتباع أساليب السفهاء، ومجاراتهم في السبِّ والتسفيه لمعتقدات الآخر: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّه َعَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام:108] . كما أنّ القرآن يتابع التسلسل المنطقي مهما بلغ من صور الافتراضات التي قد تتنافى مع مبادئ القرآن في الظاهر لغرض إلجاء العقل إلى التسليم , ونقرأ هذا من خلال توجيه الله إلى نبيه في حواره مع المشركين إلى أن يُخاطبهم بطريقة التسليم الظاهري قال تعالى: {قلْ لو كانَ فيهما آلهةٌ إلا اللهُ لفسَدَتا} [الأنبياء:22] فيقول لهم لو فرضنا جدلًا أنّ هناك آلهة أخرى لحصل النّزاع والصّراع بينهما ولأدّى هذا إلى فساد الكون , فهو يفترض ثمّ يُحاور لينتهي إلى النّيجة.
3ـ اعتماد القرآن في محاوراته على العقل المجرّد: ونلمس هذا الجانب من خلال تأمّلنا في الأسلوب القرآني للحوار , إذ يعتمد أثناء المحاورة على العقل المجرّد دون التأثر بأي عامل آخر , أو مؤثر خارج المحاورة وهذا أقصى ما يمكن أن يطلبه أو ينتظره مفكر يدّعي الحريّة في فكره أو باحث يدّعي التجرّد من التعصّب والانحياز , والدّليل على ذلك حوار إبراهيم عليه السّلام مع المشركين من قومه الذين كانوا يعبدون الكواكب , إذ افترض أنّه يعبدها مثلهم فقال: {فلمّا جنّ عليهِ الّيلُ رءَا كوْكبًَا قالَ هذا ربّي} [الأنعام:76] , والغرض من هذا نفي وجود أي مؤثر على المحاور غير العقل.
*المنهجية الخاصّة للحوار في القرآن الكريم , ويمكننا أن نجملها في قسمين:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)