فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31186 من 82138

كان منكرًا، ومما كان يعلم أن أتباع ابن مسعود كانوا يوافقونه على مسائل هي خلاف الدليل، كمسألة التطبيق، ومسألة إذا كان إمامًا وائتم به اثنان وقف وسطهم. والمقصود من هذا: أن مسألة الأتباع والأصحاب مسألة معروفة، ثم انضبطت أكثر في المدارس الفقهية الأربع .. نعم هناك التعصب، لكن هذا التعصب مذموم؛ سواء كان لأحد الأمة الأربعة، أو كان لأبي بكر أو كان لعمر، أو كان لأي شخص لعينه، لأنه لا يجوز التعصب -أي: الاجتماع على قول واحد بإطلاق- إلا أن يكون الرسول - عليه الصلاة والسلام -. إذًا: من يحتج على إبطال التمذهب بكلام المتعصبين من الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة فهذا لا حجة فيه. البعض يقول:"فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ" [النساء: 59] هاتوا دليلًا يدل على جواز التمذهب. وهذا جهل؛ فإن العلم لا يناقش بهذا الأسلوب، هذه سطحية في العلم."فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ" [النساء: 59] لا جدل في هذه القاعدة، لكن كيف الرد إلى الله والرسول؟ هذا ليس من باب التعبد حتى تقول: هات لي دليلًا من القرآن والسنة يقول: تمذهب لأحمد بن حنبل أو للشافعي. ولو رددنا هذه المسألة إلى الله والرسول، فلن نجد في القرآن أو في السنة دليلًا على منع الاقتداء بأولي العلم، لأن الله يقول:"فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ" [النحل: 43] وإذا كان سؤالهم ممكنًا، فهذا الاتباع هو من نفس هذه المادة: مادة السؤال.

التمذهب المحمود والتمذهب المذموم

حقيقة التمذهب: أنه من باب التراتيب العلمية، ليس من باب التعبد، من انتسب للإمام أحمد تعبدًا؛ كما يفعل مثلًا بعض الشيعة وبعض الصوفية حين ينتسبون على جهة التعبد لأعيان؛ فهذا لا شك أنه بدعة، لكن من انتسب للإمام أحمد لأنه أخذ من علمه ما لم يأخذ من علم الشافعي، أو قرأ من كتبه ما لم يقرأه من كتب الشافعي، أو رأى أن الإمام أحمد أعلم بالسنن والآثار، أو رأى أنه أقرب. وآخر عرف من حال الشافعي وما عنده من الأخذ عن المحدثين والفقهاء وسعة علمه باللغة، فناسبه فقه الشافعي، ورأى بنظره أنه أقرب، فصار شافعيًا، وصار هذا حنفيًا، لأنه لم يلق المحدثين، إنما تقلد فقه أبي حنيفة كحال أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، فقد كان على فقه أبي حنيفة، ولما لقي من لقي من أهل الحديث ترك كثيرًا من قول أبي حنيفة. إذًا: المسألة مسألة تراتيب علمية، مثل قول الرسول - عليه الصلاة والسلام: (فإن يطيعوا أبا بكر و عمر يرشدوا) لماذا يطيعون أبا بكر و عمر؟ هل أبو بكر مشرع؟ لا، ولكن هذه تراتيب علمية: أن المفضول في العلم يقتدي بالفاضل، وإذا تعصب متعصب لأحمد أو للشافعي قلنا: أخطأ، لكن أن يقال: إن السلفي هو الذي لا يتمذهب، فهذا ليس صحيح، وإلا للزم من كونك لا تقلد أحدًا في مسألة، أن لا يكون لك سلف في كل المسائل، وهذه ليست طريقة السلف،

الإمام أحمد يقول: لا تقل في مسألة إلا ولك فيها إمام، ويقول: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريك لعلهم اختلفوا. إذًا لا بد من هذا الاتباع، وهذا من سنن المرسلين: أن يقتدي المفضول بالفاضل. أما إذا صار التمذهب تعصبًا أو صار الانتصار من أجله ليس من أجل الدليل، أو صار على جهة التعبد أو نحو ذلك .. فلا شك أن هذه موجبات يعلم بطلانها من الشريعة وهي من البدع المنكرة. إذًا:

التمذهب فيه طرفان ووسط؛ فإذا غلا بعض المتمذهبين بتعصبهم للمذاهب، وصاروا يقلدون الأقوال ولا يعتبرون النظر في الدليل، وكان همهم الانتصار للمذهب، فهذا لا شك أنه بدعة وجدت في قرون من الأمة على يد بعض الفقهاء. وقد أنكره قوم ولا سيما من المعاصرين الذين بالغوا في رده وجعلوا السلفية مرتبطةً بعدمه،

والحق أن المحققين من السلفيين كابن عبد البر و شيخ الإسلام و ابن كثير ومن قبل هؤلاء أو من بعدهم، والمعاصرين الذين قرب عصرهم كالشيخ محمد بن عبد الوهاب وشيوخ الدعوة، كل هؤلاء كانوا على التمذهب البعيد عن التعصب، إنما اختاروا أصولًا فقهيةً عند أحمد أو أصولًا عند الشافعي أو أصولًا عند أبي حنيفة. ولا أحد يجادل في أنك لو اخترت قول أبي حنيفة في مسألة لما أنكر عليك أحد، وإذا اختار أحد قول أبي حنيفة في ترجيح القياس على قول الصحابي .. هذه مسألة وهذه مسألة، فهو اختار اجتهادات أبي حنيفة؛ لأنه عند الأئمة الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع عندهم حجة، بعد ذلك تأتي الأدلة المختلف فيها، هذه فيها تراتيب بينهم -أي: بين الأئمة الأربعة- فبعض الناس من الناظرين بحسب درجة نظره وقوته يقدم قول أحمد أو قول الشافعي أو قول أبي حنيفة، فهذا من تقليدهم في اجتهادهم كتقليدهم في آحاد فروع الشريعة. فالمقصود: أن التمذهب لا بد أن يكون القول فيه معتدلًا، لا يجوز الانتساب للمذاهب على التعصب، ولكن لا يجوز إنكار ذلك. وليس المقصود من هذا أن التمذهب سنة لازمة لا بد أن تبقى في المسلمين، بل ينبغي ذكر الاجتهاد، فالأمة الآن بحاجة إلى اجتهاد، لأن هناك مسائل نزلت لم يتكلم عنها الفقهاء من قبل، لكن المقصود أن الأمور تؤتى من أبواها، فتحصل الاجتهاد ليس بإنكار المذاهب، وتحصل السلفية ليس بإنكار المذاهب، فإن أئمة هؤلاء المذاهب هم أئمة السلف، وكثير من أتباعهم المحققين كانوا على عقيدة السلف، خاصة أن من ينكر هذا تجد أنه يأخذ بأقوال ابن حزم أو أقوال الشوكاني، فرجعوا إلى قول عالم من علماء السنة والجماعة على أحسن تقدير. ا. هـ

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت