يا سفيان، والله ما أحب أن يأتي عليَّ وقت وأنا متشاغلة فيه عن الله تعالى بغير الله، فبكى سفيان ( [6] ) .
وجاء في ترجمة محمد بن أبي محمد بن أبي المعالي -الذي أقرأ ستين سنة- أنه كان يُقرئ احتسابًا لله تعالى ولا يأخذ من أحد شيئًا، ويأكل من كسب يده ( [7] ) .
إذ الشأن كما قال الفضيل -رحمه الله-: ينبغي لحامل القرآن أن لا تكون له حاجة إلى أحد من الخلق -إلى الخليفة فمن دونه- وينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه ( [8] ) .
وقد أنكر حذيفة المرعشي على يوسف بن أسباط حيث وضع له بائع اللبن بعض الثمن لكونه من أهل القرآن ( [9] ) .
وهكذا يكون صاحب القرآن والداعية إلى الله تعالى مع احتسابه وزهده مدركًا لعظم المسؤولية المنوطة به، وذلك أن حامل القرآن -كما قال الفضيل- حامل راية الإسلام، فلا ينبغي له أن يلغو مع من يلغو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلهو مع من يلهو ( [10] ) ، وإنما يجعل القرآن ربيع قلبه فيتخلق بأخلاقه، فتكون التقوى صفة راسخة له، والورع حاجزًا بينه وبين كل مرذول من الأقوال والأعمال، فيكون مقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه، غير مشتغل بما لا يعنيه منقيًا قلبه من كل دنس؛ ليكون محلًا صالحًا لفهم القرآن.
وقد قال شيخ الإسلام وغيره تعليقًا على قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة ) )، وكذلك القلوب إذا كانت تحمل أخلاق الكلاب فإن الملائكة لا تدخلها بالمعاني الطيبة.
وبالجملة فإن الداعية إلى الصراط المستقيم إنما يكون خلقه القرآن، فيظهر ذلك في حاله مع نفسه، ومع ربه، ومع إخوانه المؤمنين ( [11] ) .
[1] - الجامع لأخلاق الراوي 1/ 42.
[2] - رواه البخاري.
[3] - انظر معرفة القراء الكبار 1/ 463.
[4] - السابق 1/ 306.
[5] - السابق 2/ 569.
* وقد حفظ لنا التاريخ نماذج مشرقة من النساء اللاتي أولين كتاب الله تعالى عناية فائقة، حتى بلغن المقامات العالية في الإتقان والضبط، فمن ذلك:
1 -بيرم بنت أحمد المالكية حيث كانت تقرأ بالعشر وتعظ النساء، كما حفظت العمدة والأربعين النووية، والشاطبيتين وغير ذلك.
2 -خديجة بن بنت أحمد من أهل فاس، كانت حافظة عارفة بكثير من القراءات، كقراءة ورش وقالون ومكي، مع كثرة العبادة والاشتغال بما يعني.
3 -خديجة بنت هارون الدوكالية من أهل المغرب، كانت تحفظ الشاطبية وتقرأ بالسبع، وحجت خمسة عشرة حجة.
4 -حفصة بن سيرين أخت محمد بن سيرين، كانت من أهل الفقه والزهد والعبادة، حتى قال عنها إياس بن معاوية: ما أدركت أحدًا أفضله على حفصة بنت سيرين، قرأت القرآن الكريم وهي بنت ثنتي عشرة سنة، فذكروا له الحسن وابن سيرين، فقال: أما أنا فما أفضل عليها أحدًا، وكان أخوها محمد إذا أشكل عليه شيء من القرآن قال: اذهبوا فسلوا حفصة كيف تقرأ، وقد قيل: إنها مكثت في مصلاها ثلاثين سنة لا تخرج إلا لقائلة أو قضاء حاجة، وذكر أنها اشترت جارية، فقيل للجارية: كيف رأيت مولاتك؟
فقالت: إنها امرأة صالحة، إلا أنها أذنبت ذنبًا عظيمًا فهي الليل كله تبكي وتصلي.
5 -سلمى بنت محمد بن الجزري حفظت القرآن، ومقدمة التجويد، ومقدمة النحو، وطيبة النشر، وقرأت بالعشر، وبلغت الغاية في الإتقان بشهادة أبيها شيخ القراء في وقته، وتعلمت العروض، وكتبت الخط الجيد، ونظمت بالعربية والفارسية، وقرأت الحديث.
6 -عائشة بنت إبراهيم الدمشقية زوجة الحافظ أبي الحجاج المزي الإمام المعروف، صاحب تهذيب الكمال وغيره، كانت حافظة مقرئة أقرأت كثيرًا من النساء، وختمت عليها، كانت كثيرة العبادة، زاهدة في الدنيا متقللة منها.
7 -عائشة بنت عمران المنوبي من أهل تونس، كانت قارئة حافظة صالحة زاهدة، وكانت تغزل الصوف وتقتات منه، قيل: إنها ختمت القرآن (1520) مرة، وكانت لا تدخر شيئًا من قوتها، بل تتصدق بما فضل عن حاجتها، وكان أخر ما سُمع منها عند موتها: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [ (128) سورة النحل] .
[6] - صفة الصفوة 2/ 91.
[7] - معرفة القراء الكبار 2/ 569.
[8] - أخلاق حملة القرآن ص43.
[9] - أخلاق حملة القرآن للآجري ص43.
[10] - السابق ص43.
[11] - أطال الآجري في الكلام على سمات حامل القرآن فراجعها ص24 - 32.
المصدر: http://www.khaledalsabt.com/ref/media/264
ـ [عماد الدين زيدان] ــــــــ [29 - 10 - 10, 02:34 ص] ـ
بارك الله في الشيخ وفي صياد الدرر