فالكفار جزمًا حتى ولو لم يقولوا هذا القول فهم من أهل النار، ومع ذلك قال الله: {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ * وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} [الزخرف:19 - 21] .
فاحتج القرشيون بالقدر، ومن احتج بالقدر يبطل احتجاجه عقلًا ونقلًا، فكل من احتج بدليل عقلي فإنه يلزمه البقاء عليه في كل أحواله، وقد تبين عقلًا أن أي أحد لا يستطيع أن يحتج بالقدر في كل أحواله، فهم يقولون: لو كان هذا الدين حقًا لما شاء الله أن نعبد غيره، قال الله جل وعلا عنهم: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} [الزخرف:20] ، فاحتجوا بالقدر، فنقول لهم من الناحية العقلية: لو سلمنا لكم بصحة هذا الاحتجاج هل تقبلون به في كل أحوالكم؟ لا يقبلون.
فلا يمكن أن تأتي أعراضهم فتنتهكها، أو أموالهم فتسرقها ويقبلون احتجاجك بأنك انتهكت أعراضهم وسرقت أموالهم بقدر الله، بل سيعاقبونك ويثأرون لأنفسهم، فهذا يبطل به الاحتجاج بالقدر عقلًا.
وأما إبطاله نقلًا فهو في الآية التي بعدها قال الله جل وعلا: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} [الزخرف:21] ، وقطعًا ليس لهم كتاب من قبله، قال الله جل وعلا: {وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ} [سبأ:44] ، فهذه الآية عظ عليها النواجذ، واعقد عليها خنصرك فسيأتي الحاجة إليها فيما بعد.