فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 789

تفسير قوله تعالى:(واتقوا يومًا لا تجزي نفس عن نفس شيئًا)

قال الله جل وعلا: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة:48] من أعظم أخطاء أصحاب الملل أنهم يظنون أن المقاييس الأخروية كالمقاييس الدنيوية، فإن الإنسان قد يقع منه الخطأ والتثريب في أمر الدنيا لكنه قد ينجو بعوامل أخرى تساعده كالشفاعة، أو كالفدية، أو كالنصرة، لكن هذه الثلاث كلهن ممنوعات في الآخرة غير موجودة، قال الله: (وَاتَّقُوا يَوْمًا) هو اليوم الآخر، (لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا) لا يستطيع أحد أن يتحمل وزر الآخر، (وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) المقصود الشفاعة المنفية؛ لأن المعتزلة ينفون الشفاعات على إطلاقها، وأهل السنة يبينون أن منها ما هو منفي، ومنها ما هو مثبت وقد حررنا ذلك في موضعه.

(وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) هناك عدل بالفتح، وعدل بالكسر: إذا كان الفداء من جنس المفدي فهو عِدل بالكسر، وإذ كان من غير جنسه فهو عَدل، وقد ذكر الله كفارة الصيد حال الإحرام فقال جل وعلا: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة:95] فجاء بها بالفتح؛ لأن الصيام غير الصيد، لكن إذا كان الفداء من الجنس يسمى: عِدلًا كما جاءت في ألفاظ مهلهل ربيعة وهي طويلة: ليس عِدلًا، وهو يتكلم على أنه قتل من بني بكر كثيرًا، وقال: مهما قتلت منكم لا يكون مكافئًا ولا فداءً لـ كليب أخي؛ لأن مهلهلًا قاتل أبناء عمومته من أجل قتل أخيه كليب، وكليب قتله جساس، فأسرف مهلهل في القتل، وأئمة اللغة والمفسرون يستشهدون بهذه الأبيات كثيرًا؛ لأنها فصيحة عربية، ويزعمون أن مهلهلًا هذا أول من قال الشعر، ومنها قوله: لكن ليس عِدلًا من كليب إذا خاف المخوف من الثغورِ والمقصود منها أنني لو قتلت منكم من قتلت فلا يكون كفؤًا لـ كليب أخي، والشاهد: كسر العين؛ لأنهم كلهم من جنس واحد بشر، لكن لما ذكر الله الصيام وهو من غير الصيد قال جل وعلا: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة:95] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت