ظاهر الأمر بالهبوط أنه تم لأربعة: لآدم، وحواء، وإبليس، والحية، أما آدم وحواء وإبليس فلا أظن أحدًا ينازع فيها، لكن القضية قضية الحية لا بد من قرائن تدل على هذا، والمشهور عند أهل العلم أن إبليس دخل الجنة عندما أراد أن يوسوس لآدم عن طريق الحية، هذا أمر.
الأمر الثاني: النبي صلى الله عليه وسلم قال في حق الحيات: (ما سالمناهن منذ أن حاربناهن) كما في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في منىً في غار، والقرآن منه مدني ومنه مكي، ومنه ليلي ومنه نهاري، ومنه سمائي ومنه أرضي، ومنه ما نزل في الكهوف، والمعنى باعتبار النزول، فكان النبي صلى الله عليه وسلم في غار ومعه أصحابه يتلو عليهم: {وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا} [المرسلات:1] لتوها نزلت، يقول ابن مسعود: (نأخذها رطبة من فيه عليه الصلاة والسلام، فإذا بحية فقال صلى الله عليه وسلم: اقتلوها! قال: فابتدرناها لنقتلها فآوت -يعني: رجعت إلى جحرها- فقال عليه الصلاة والسلام: سلمت من شركم وسلمتم من شرها) شركم يعني: القتل، وشرها: أذاها، فهذه القرائن تدل على أن الحيات عدو، فتؤكد أن الحية هي رابع من نزل من السماء مع آدم وحواء وإبليس.
يتعلق بالحديث هذا نقطة مهمة جدًا وهي أن الورع شيء قلبي وليس شيئًا مصطنعًا يصنع ليراه الناس، وإنما الورع ينبثق من ذات الإنسان، فإذا جاء عند المرء ما يغلب على الظن أنه ليس بورع تركه، ولو ظن الناس أن في تركه ترك للورع، فهذا نبي الأمة ورأس الملة يتلو القرآن وحوله أصحابه فتخرج حية فيقطع الوحي ويقول: (اقتلوها) ، والصحابة يتركون النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ويذهبون إلى حية ليقتلوها.
لو حدث هذا في زماننا لشنع الناس على فاعليه؛ لأن المدارك تختلف، شتان بين من همه رضوان الناس وكيف يصل إليهم، وبين من همه الحقائق كيف تطبق على الوقائع! يختلف الصنفان اختلافًا جذريًا، العدو عدو لا يمكن أن يتغير ولو لان مرة أو اتفقت مصالحك مع مصالحه مرة، فهو عدو لا يؤمن ولا يوجد عاقل له مسكة من عقل يأمن عدوه قط، فإذا أمن عدوه فقد أسلم نفسه لعدوه يسوقه كيف يشاء، قيل لـ معاوية رضي الله تعالى عنه وأرضاه: ما بلغ من عقلك؟ قال: لم أأمن أحدًا قط.
والناس درجات، فإذا كان هذا مع الخلان والأصحاب والخلطاء والقرباء فكيف بالأعداء؟ وإذا كان إبليس قد أقسم لأبوينا أن ينفعهما فأهلكهما بالذنوب فكيف وقد أقسم لله أن يهلكنا؟! ماذا سيفعل بنا؟ فأعظم الأعداء إبليس، قال الله عنه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر:6] على هذا سواءً في عداوتنا مع إبليس فرارًا منه وطلبًا للآخرة أو مع غيره ممن حولنا فالعدو عدو، والإنسان العاقل يكون واضحًا في تعامله، ثمة أمور يمكن إرجاؤها، وثمة أمور لا تقبل الإرجاء ولا التأخير أبدًا كقتل الحية هاهنا.