قال الله جل وعلا: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة:79] كلمة ويل يراد بها إيقاع الشر والهلاك، ولم يسمع من العرب فعل لها من لفظها، والأصل في اللغة السماع لا القياس، فمن جاء بشيء سمع عن العرب فقد أثبت الحجة.
الله جل وعلا يتوعد هنا قومًا من اليهود كانوا يكتبون الكتاب، وقبل قليل ذكرت أن التاريخ الإسلامي زيد ونقص منه، كذلك حال اليهود، في كل مرحلة زمنية الأحبار الذين كلفوا بحفظ التوراة يزيدون فيها ويضيفون وينقصون بحسب الحال التي هم فيها.
فمثلًا عندما لم يزعم العرب أن نبيًا سيبعث منهم لم يلجأ اليهود إلى محو صفات النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا حاجة تقتضي لمحوه، فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم في العرب ولم يظهر فيهم اضطروا إلى أن يغيروا ويكتبوا شيئًا آخر يضيفوه في التوراة ليبدلوا به الوصف الإلهي لنبينا صلى الله عليه وسلم حتى لا يغتر الأتباع به، فيقحمون أنفسهم في التوراة حتى يبقوا على سلطتهم الدينية والتشريعية والتنفيذية، فيتحكموا في أموال الناس، وهذا هو معنى الثمن القليل الذي قاله الله جل وعلا عنهم: {لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [البقرة:79] ، وقد حررنا ذلك الأمر في لقاء سابق.
فالله جل وعلا هنا يقول: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة:79] فارتكبوا ثلاثة أمور: حرفوا ما سبق، وأضافوا من عندهم، واشتروا بما أضافوه ثمنًا قليلًا بعد أن زعموا أنه من عند الله جل وعلا، وهذا من أعظم الفرية على الله تبارك وتعالى.
ومن تأمل هذا لا يتعجب من صنيع اليهود؛ لأنه إذا كان هذا حال آبائهم فحري بهم أن يكون هذا حال أبنائهم وأتباعهم وذراريهم.