وخلاصة هذا الدرس أنه سلف ذكر آيات أحكام تكلمت عن النكاح وأحكام المكاتبة، ثم بين الله جل وعلا بآية فصلت بين القضايا الفقهية والقضايا الإيمانية بأن الله أنزل الله هذا القرآن موعظة ومثلًا.
ثم تكلم الرب جل وعلا عن نوره الذي ملأ أركان عرشه، ثم قرب هذا المثال للناس بشيء يرونه بين أيديهم وأذكر في هذا أن أبا تمام الشاعر العباسي المسمى حبيب بن أوس الطائي دخل على أحد الخلفاء فمدحه بقوله: إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس وهؤلاء كانوا من المشاهير في العرب فـ أحنف في حلمه، وإياس القاضي في ذكائهـ وعمرو في شجاعته، وحاتم في كرمه، وأي إنسان يظهر في بلاط الأمراء يكون له حساد، فقام أحد الناس يحسد أبا تمام وقد أصبح له مكان عند الخليفة، فقال: إن الأمير أكبر وأشرف ممن ذكرت، تصف أمير المؤمنين بأجلاف العرب! ومن يستطيع أن يقول في مجلس الأمير: إن هؤلاء ليسوا أجلافًا؟! فقال أبو تمام في ساعته يدافع عن نفسه: لا تنكروا ضربي له من دونه مثلًا شرودًا في الندى والبأس فالله قد ضرب الأقل لنوره مثلًا من المشكاة والنبراس وهذه تدل على ذكائه، ويقولون: إن الطبيب الكندي كان حاضرًا، فلما فتشوا في أوراق أبي تمام لم يجدوا فيها هذين البيتين، بمعنى أن أبا تمام ارتجلهما مباشرة ليدافع عن نفسه، فقال: هذا رجل سيأكل الذكاء دماغه.
أو كلمة نحوها، فمات أبو تمام صغيرًا في الأربعينات، فقد يكون هذا بسبب ذكائه كما يزعم هذا الطبيب، والأصل أنه بقدر الله، وقد يكون هناك أسباب أخرى لم يطلع عليها الطبيب.
وأيًا كان فقد تخلص أبو تمام هنا تخلصًا عظيمًا.
وإنك لتعجب ممن يأتيك أحيانًا فيحاول أن يكتب شعرًا، وهو لم يقرأ قرآنًا ولا حديثًا ولا شعر العرب، فمن أين تأتي الدرر والمعلومات والألفاظ حتى تستطيع أن تحررها إلى أبيات؟ فهذا محال.
فعدم الأخذ بأسباب الشيء يحول بينك وبين الوصول، والله يقول عن ذي القرنين: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} [الكهف:84] ، فمن رام مجدًا فلا بد له من أن يعلم أن لكل مجد طرائق وسبلًا توصل إليه، فيأخذ بها متوكلًا على الله جل وعلا ويرجو من الله التوفيق والسداد.
وأقول: إن الله جل وعلا ذكر المساجد وحرمتها، وبين أن أعظم ما يمكن أن يقال فيها هو ذكر الله تبارك وتعالى، فطر الله قلبي وقلوبكم على توحيده، وجعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.
فهذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده، وفي الدرس القادم -بإذن الله تعالى- سنعرج على أعمال الذين كفروا، ثم نذكر ما ذكر الله جل وعلا من دلائل قدرته وجليل صنعته في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} [النور:43] .
نسأل الله التوفيق والسداد والعون والقبول، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.