بعد هذه الإطلالة نلج إلى موضوع الإسراء من السنة ثم نعود للآيات.
-نقول إجمالًا مستنبطين ما في الإسراء والمعراج من دروس: إن النبي عليه الصلاة والسلام كان نائمًا، فجاء جبريل والملائكة ليأخذونه، وقد تخيروه ممن كان نائمًا معه، وقد استفاد العلماء من هذه القضية: أن الملائكة تعرف أعيان بني آدم، ولهذا عرفوه من بين النائمين، هذه واحدة.
الثانية: عندما شق صدره شقًا حسيًا من النحر إلى أعلى مرقاة البطن، وأخرج القلب -وهذا ثابت في الصحيح- وغسل في إناء من ذهب، وملئ القلب إيمانًا وحكمة، فهم منها العلماء: أن الحكمة أجل شيء يعطاه المرء بعد الإيمان، قالوا: لأن النبي مهد لأن يرقى الدرجات العلى، وأن يصعد إلى سدرة المنتهى، فملئ قلبه إيمانًا وحكمة، ففهموا أن الحكمة أجل ما يعطاه بنو آدم بعد الإيمان، وهي إصابة الشيء، أو وضع الشيء في موضعه الصحيح.
ثم إنه غسل قلبه بماء زمزم، وفيه دلالة: على فضل ماء زمزم، وقد شهدت بهذا آثار تكلمنا عنها مرارًا، ثم إنه عليه الصلاة والسلام قدم له البراق، وهي: دابة ينتهي حافرها حيث ينتهي بصرها، وكان معه جبريل، فأتى المسجد الأقصى، وهو مسجد إيليا، مسجد بيت المقدس، ويسمى: المسجد الأقصى الآن، وهذا اسم الشهرة، وكان قد جدد بناءه داود وسليمان عليهما السلام، لكنه وضع في الأرض بعد أن بنيت الكعبة بأربعين عامًا.
وقول الله جل وعلا في القرآن: {الأَقْصَى} [الإسراء:1] وهو يتكلم عن المسجد الحرام لا يجعل المعنى متفقًا، إلا إذا كان هناك مسجد ثالث بينهما، وهذا فيه إرهاص مبدئي على أن هناك مسجدًا سيعمر، وهو الذي كان بعد ذلك المسجد النبوي، ثم صلى النبي صلى الله عليه وسلم بإخوانه النبيين إمامًا في المسجد الأقصى: في موطنهم، فالشام أرض النبوات، وفيها أكثر الأنبياء مع أن الإنسان لا يقدم عليه أحد في سلطانه، فلما تقدم النبي صلى الله عليه وسلم عليهم في سلطانهم ومحلهم دل ذلك على فضله، وهو مراد شرعي عظيم من ربنا، يخبر الله من خلاله هؤلاء الأنبياء أن محمدًا صلى الله عليه وسلم وإن كان آخركم عصرًا إلا أنه أرفعكم وأجلكم وأولكم شأنًا وقدرًا، وقد جاء في بعض الروايات التي لم تثبت سندًا: أنه التفت بعد أن صلى، فوجد مشيخة آبائه: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وعظماء الأنبياء، فقال لهم: إن الله أمرني أن أسألكم: أأمركم الله أن تدعوا إلى عبادة غيره؟ قالوا: لم يدعنا الله إلا أن نعبده، وندعو إلى عبادته وحده: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف:45] ، وفي قراءة: (يعبدون) فهذا الخبر يعضد سؤال هذه الآية، لكن لا أعلم سندًا صحيحًا في إثباته، لكن الثابت: أنه صلى بالنبيين إمامًا، ولقيهم بعد ذلك كما سيأتي في السموات.
وهنا سؤال مهم: هل صلى بهم أجسادًا وأرواحًا، أم أجسادًا دون أرواح، أم أرواحًا فقط؟ المترجح: أنه صلى بهم أرواحًا، وإن اختار بعض أهل العلم: التوقف، والتوقف أقوى.