فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 789

تفسير قوله تعالى:(واقتلوهم حيث ثقفتموهم)

{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [البقرة:191] .

معنى: {ثَقِفْتُمُوهُمْ} [البقرة:191] أي: ظفرتم بهم {وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} [البقرة:191] وقد أخرجوا المسلمين من مكة, وقد وقع هذا للمسلمين بأن فتحوا مكة, فحققوا قول الله: {وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة:191] فما وقع منهم من فتنتكم في الدين حتى يردوكم عن دينكم إلى الشرك؛ أعظم من كونكم تقاتلونهم لتسفكوا دماءهم.

ثم قال تعالى: {وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} [البقرة:191] وهذا من إطلاق المسجد الحرام على مكة, وفيه بيان لحرمة مكة عند الله, وفي الحديث: (إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض) .

وهذا نزدلف به إلى الخلاف القائم بين العلماء: أيهما أفضل مكة أم المدينة؟ جماهير العلماء على أن مكة أفضل من المدينة, ولهم في ذلك دلائل وقرائن من أشهرها: أن الله جل وعلا جعلها موئلًا للخليلين: محمد وإبراهيم عليهما السلام.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف) .

ولأن الكعبة في مكة وهي بيت الله.

ولأن الله جل وعلا أوجب الحج إلى مكة وإلى بيته العتيق لا إلى غيره, وغيرها من القرائن كثير.

وذهب الإمام مالك رحمه الله -وهو المشهور عن عمر وابنه عبد الله - وجمهور أتباعه إلى أن المدينة أفضل من مكة؛ لسكنى النبي صلى الله عليه وسلم فيها, ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) .

وقال في حديث آخر: (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) فقالوا: إذا كان موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها, فكيف ببلدة فيها روضة من رياض الجنة! وبعض العلماء يفصل فيقول: إن مكة أفضل، ولا يمكن لما فقهه مالك أن يصادم تلك النصوص الشرعية, لكن يقولون: إن المجاورة في المدينة أفضل من المجاورة في مكة.

والعلم عند الله.

يقول الله: {وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} [البقرة:191] ؛ لأن هذا نوع من القصاص {كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:191 - 192] .

وقطعًا أن الشرك لا يدخله الغفران, فما معنى قول الله {فَإِنِ انتَهَوْا} [البقرة:192] ؟ أي: انتهوا عن الشرك لا عن القتل، وهذا قيد لا بد لك أن تفقهه؛ لأنهم إن بقوا على شركهم ولم يقاتلونا فلن يغفر لهم.

فقوله: {فَإِنِ انتَهَوْا} [البقرة:192] أي: عن قتالكم وعن الشرك {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:192] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت