فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 2722

الوجه من النار، فإياك أن تصبح وتمسى وفى قلبك غش لأحد من رعيتك، فإن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «من أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة» .

فبكى هارون، وقال له: عليك دين؟ قال: نعم، دين لربى لم يحاسبنى عليه، فالويل لى إن سألنى، والويل لى إن ناقشنى، والويل لى إن لم ألهم حجتى، قال: إنما أعنى دين العباد، قال: إن ربى ـ عزوجل ـ لم يأمرنى بهذا، وإنما أمرنى أن أصدق وعده وأطيع أمره، فقال: (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 56 ـ 58] فقال له: هذا ألف دينار خذها فانفقها على عيالك، وتقوبها على عبادتك، فقال: سبحان الله، أنا أدلك على طريق النجاة وأنت تكافئنى بمثل هذا؟ سلّمك الله ووفّقك.

ثم صمت فلم يكلمنا، فخرجنا من عنده، فلما صرنا على الباب، قال هارون: أبا عباس، إذا دللتنى على رجل، فدلنى على مثل هذا، هذا سيّد المسلمين.

فدخلت عليه امرأة من نسائه فقالت: «يا هذا، قد ترى ما نحن فيه من ضيق، فلو قبلت هذا المال فتفرجنا به؟ » فقال لها: «مثلى ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كبر نحروه، فأكلوا لحمه» ، فلما سمع هارون الرشيد هذا الكلام، قال: «تدخل فعسى أن يقبل المال» ، فلما علم الفضيل خرج فجلس في السطح على باب الغرفة فجاء هارون فجلس إلى جنبه، فجعل يكلمه فلا يجيبه، فبينا نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت: «يا هذا، قد آذيت الشيخ منذ الليلة فانصرف، رحمك الله» ، فانصرفنا.

أخبرنا إبراهيم بن عبد الله، حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثنى إسماعيل بن عبد الله أبو النضر، أخبرنا يحيى بن يوسف الزمّى، عن الفضيل بن عياض ـ رحمه الله ـ قال: «لما دخل علىّ هارون أمير المؤمنين، قال: أيكم هو؟ فأشاروا إلى أمير المؤمنين، فقال: أنت هو يا حسن الوجه لقد كلّفت أمرا عظيما، إنى ما رأيت أحدا أحسن وجها منك، فإن قدرت أن لا تسوّد هذا الوجه بلفحة من النار فافعل، فقال لى: عظنى، فقلت: ماذا أعظك؟ هذا كتاب الله تعالى بين الدفتين، انظر ماذا عمل بمن أطاعه، وماذا عمل بمن عصاه، وقال: إنى رأيت الناس يعرضون على النار عرضا شديدا، ويطلبونها طلبا حثيثا، أما والله لو طلبوا الجنة بمثلها أو أيسر لنالوها، فقال: عد إلىّ، فقال: لو لم تبعث إلىّ لم آتك، وإن انتفعت بما سمعت منى عدت إليك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت