الحمد لله رب العالمين ... الحمد لله الذي بفضله تتم الصالحات وبكرمه ترتفع الدرجات ... الحمد لله الذي باسمه يستفتح كل كتاب وبذكره يصدر كل خطاب ... الحمد لله الذي أعز المؤمنين وأذل الشرك والمشركين ... {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} المنافقون: 8 ... وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ... وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ... {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} الأحزاب: 70 - 71.
أما بعد:
إليكم يا حراس العقيدة ... إليكم يا جند الراية ... إليكم يا من حملتم السلاح وغرستم في قلب العدو الرماح ... إليكم يا من سكنتم الخنادق وعشقتم عبق ونسيم وصوت البنادق ... إليكم يا من بذرتم الدم بذرًا ونشرتم العز نشرًا ... إليكم يا سكان الكهوف يا من رجلكم بألوف ... إليكم يا من تركتم القصور وتمترستم على الثغور واستعددتم لسكن القبور وتزينتم بالصالحات ليوم النشور ... إليكم يا من وضعتم على أكتافكم سهم المعالي ودفعتم لعزة دينكم الغالي وسهرتم قيامًا لربكم الليالي وبذلتم أرواحكم لله وقلتم لا نبالي، الذين قال الله فيهم: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} البقرة: 3 - 5، معادلة واضحة تحتاج لرجال وفعال قبل الذكور والمقال .... يؤمنون ... ويقيمون ... وينفقون ... ويوقنون ... أربعة عظام وكأنهن يختصرن طول الكلام وينزلن بلا شك الإبهام ويرفعن أصحابهن إلى مقام، وكأنهن طرف المعادلة الأول فتكتمل المعادلة بالفلاح"المفلحون"أفلح والله من دخل الامتحان وطبق شق المعادلة بكل مفاصلة ... فلاح ونجاح وجنة عرضها السماوات والأرض ... أفلح والله رجال الزناد الذين يحمون العباد والبلاد ... الفلاح ... كلمة لها ثمن في سوق الجنان وإن أبوابها مشرعة لمن أراد الشروع في المشروع ... إلى الذين قال الله فيهم {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} البقرة: 207، قال ابن عباس وغيره: نزلت هذه الآية في صهيب بن سنان الرومي وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة منعه الناس أن يهاجر بماله وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله فأنزل الله فيه هذه الآية فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة معه فقالوا له: ربح البيع، فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية ويروى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له:"ربح البيع صهيب" [1] ، ربح البيع يا أيها البائعون لن تخسروا فالمشتري هو الله ويا حظ من تاجر مع الله بالسعادة وربح من باع ووالله ما ضاع ... بِعْ قبل أن تتلف السلعة بالموت فلا يقبلها المشتري ... يا
(1) تفسير ابن كثير - ج 1 - ص 230.