ظهور عند الشدائد والمواقف واختفاء عن المناصب والغنائم والشهرة ... جنود إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم يفتقدوا ... إذا طلب منهم دفع الثمن دفعوه وإذا عرضت عليهم الدنيا تركوها، بانوا وكأنهم ما كانوا ... رجال تراهم يتقدمون عند التضحية ولا تراهم عند توزيع المناصب فلا يتقاتلون لأجل الدنيا وزينتها، يتركونها لأهلها ويبحثون عما عند الله تعالى {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} القصص: 83 ... كن ابنًا للدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا، واجعل الدنيا في يدك ولا تجعلها في قلبك واحرص على تربية نفسك على حب الآخرة وما فيها ... يا لمرض حب الشهرة والظهور وتقديم النفس والعجب وكأنها المقتلة التي لا ينجو منها إلا من نجاه الله تعالى، أخي الجندي تعال معي لنعرض أنفسنا على الطبيب الرباني الذي يكشف أمراض القلوب لكي نعرف الحقيقة وندركها إن كنا نتغافل عنها ... أكاد أجزم أن أنفسنا تحتاج لأدوية إيمانية قوية حتى تؤثر فيها وتخلصها من آفاتها وأمراضها ... يقول نعيم بن حماد وهو أحد السلف،"ضرب السياط أهون علينا من النية الصالحة"، ويقول الفضيل بن عياض:"إذا كان يسأل الصادقين عن صدقهم مثل إسماعيل وعيسى عليهما السلام فكيف بالكذابين من أمثالنا"، ويقول إبراهيم بن أدهم:"كان العلماء إذا علموا عملوا فإن عملوا شغلوا فإن شغلوا فقدوا فإن فقدوا طلبوا فإن طلبوا هربوا ..."، سئل الإمام أحمد عن الصدق والإخلاص فقال:"بهذا ارتفع القوم"، وقال ابن عباس:"إنما يحفظ الرجل على قدر نيته" [1] ... هذه بعض أقوال السلف عن النية والإخلاص وإرادة ما عند الله فإذا كان هذا كلامهم وتلك أحوالهم فماذا نقول نحن؟ وما هي أحوالنا؟ - أسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا - ولكن ومع ما نحن عليه من التقصير فإنه يجب علينا أن نحرص على إخلاص النية لله تعالى والعمل بكل جد على تهذيب أنفسنا وخاصة فيما يتعلق بحب الشهرة والرغبة الدائمة في الظهور، فما كمل إيمان من أحب الشهرة ويا للأسف كم نحبها بل يا للمصيبة إن لم نحارب أهواءنا ورغباتنا وشهواتنا ... جاهد نفسك أيها المجاهد ... قاتل شهواتك أيها المقاتل ... تغلب على نفسك التي بين جنبيك لكي تتمكن في المستقبل من التغلب على عدوك ... ابدأ بنفسك فعلمها كيف يكون الإخلاص؟ إنه القلب أيها الجنود وإنها المعركة ولنقاتل بقوة لأجل النجاة والفوز فالعمل إن لم يقبل عند الله فلا حاجة لنا أن يقبله الناس أو يمدحوه أو يرفضوه، واعلم أخي الجندي أن كل قيمة أو سلعة دون الجنة رخيصة ونعيمها زائل فأحرص على ما ينفعك وينجيك {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} الكهف: 110 ...
(1) (صلاح الأمة في علو الهمة - ج 1 - ص 105 - 107) .