الصفحة 28 من 39

وكأن العزة في مكان يجب أن تصاحبها ذلة في مكان آخر ومع أشخاص آخرين ... عزة وذلة يجتمعان في كثير من الأحيان كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} المائدة: 54 ... كن ذليلًا أمام إخوانك الموحدين والذل هنا ليس بمعناه السلبي الذي يقصد به الهوان والصغار وعدم وجود الشخصية، بل المقصود هو الذل الإيجابي الذي يقصد به خفض الجناح والتنازل أمام إخوانك حبًا فيهم لا جبرًا عنك ورغبة منك في إكرامهم لا رغبة منهم في إيذائك ... إنه ذل الرحمة والعفو والتجاوز عن الزلات كما قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} الفتح: 29 ... رحماء بينهم تراهم يصفحون ويعفون ويخفضون الجناح ويتنازلون لإخوانهم حبا وكرامة ... فالموحد يعفو عن زلات أخيه ويدافع عنه ويحميه ولا يتركه مكشوفا في الميدان ولا يدعه أسيرا تحت حكم الطغيان ... الجندي المخلص يعتبر ما عنده لأخيه ولا يبخل بشيءٍ عن أخيه، يقتدي بالمؤسسين الأوائل لجيش التوحيد حيث آخى النبي - عليه السلام - بين المهاجرين والأنصار ... أُخُوَّةٌ حقيقية لا زيف فيها ولا غدر ولا خيانة، حتى إن أخوتهم وصلت إلى مرحلة لا تصلها ُخُوَّةُ النسب، فقد روى البخاري، عن ابن عباس قال:"كان المهاجرون حين قَدِموا المدينة، يرث المهاجريٌّ الأنصاريَّ دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم. فلما نزلت هذه الآية: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} النساء: 33 نسخت، ثم قال: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} النساء: 33" [1] ...

هكذا فعل أجدادنا حتى صاروا كالجسد الواحد ونحن اليوم بحاجة ماسة للتلاحم والتقارب في مواجهتنا مع الحملة الصليبية التي تستهدف الإسلام والأمة، يقول تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} الصف: 4 ... بنيان مرصوص، جيش رص رصًا وألوف كأنها رجل .... رص للقلوب قبل رص الأجساد ... القلوب متراصة كما الأجساد ... جيش كأنه جسد واحد، جنود كأنهم مقاتل واحد يحمي بعضهم بعضًا ويقوي بعضهم بعضًا ويدعم بعضهم بعضًا .... خفض للجناح وحمل للسلاح وتضحية وفداء وكفاح .... كن محبًا لإخوانك الجنود ... كن متواضعًا أمامهم .... كن متعاونًا معهم لأجل إتمام المهمات كن متجاوزًا عن الأخطاء ولا تقف عند كل صغيرة وأمام أي مشكلة، فأنت تعمل لتحقيق أهداف كبرى فلا تأخذك الصغائر ... كن كاظمًا لغيظك محسنًا لإخوانك فالله في الأخوة أيها الجنود {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} آل عمران: 134 ... أحبك الله أيها الجندي فالإحسان يقربك من الله، فَخَفْضُ الجناح أمر الله لنبيه ولكل موحد {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} الشعراء: 215 ...

(1) رواه البخاري في كتاب التفسير 5/ 178.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت