القول الثاني: أنَّ المؤمنين كانوا يُتلفون الحصن من خارجه، واليهود يهدمون من بيوتهم ليسدوا به ما ينثلم مما يهدمه المسلمون من الحصن، وهذا مروي عن ابن عباس بإسناد ضعيف، وأما قول من قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كلما ظهر على دار هدمها ليتسع مكان القتال، وأنَّهم كلما خرجوا من دار نقبوها من دبرها وخرجوا وأخذوا من حجارتها ليسدوا به الدروب ويحصنوا البيوت، فهو مخالف لقوله تعالى في السورة: (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ) ، فلم يكن فيها إيجاف خيل ولا ركاب في القتال، فمتى كان ذلك الحصار والقتال ورجوع اليهود عن بيتٍ بيتٍ من حصونهم؟
وعلى كلا القولين فإنَّ الاستدلال قائم لوقوع التخريب من المؤمنين لديار الكافرين، ولكن رُوي عن الزهري وقال به بعض المفسرين: إنَّ تخريبهم البيوت بنقضهم العهد، وتخريب المؤمنين بإجلائهم، وهذا وإن كان حقًّا داخلًا في عموم معنى الآية وقد يتناوله إطلاق لفظها، إلاَّ أنّ حصر ما كان به مخالفٌ لظاهر الآية مخالفة بينة.
وأخرج أبو داود في سننه من حديث أسامة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إليه فقال: "أغِر على أُبْنَى صباحًا وَحَرِّق"، وإسناده ضعيف، تفرَّد به صالح بن أبي الأخضر عن الزهري.
وفي هذه الأدلة جوازُ تخريب بلاد الكفَّار إذا كان في ذلك نكايةٌ بهم، وفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في غزوة النضير، وما رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه أمَرَ أسامة بالإغارة على بلد بفلسطين قبل فتحها والتحريق فيها، مما جرى على هذا الأصل وجاء مُبيِّنًا ومُؤكِّدًا له.