والتقييدُ في اقتطاعِ المعادن بما تتعلَّقُ حاجة عموم الناس به، ويُقصد من الناس لكثرته وتوفُّر مادَّته، هو أصحُّ القولين في معنى آخر الحديث من قوله: ما يُحمى من الأراك؟ قال: ما لا تناله أخفاف الإبل، فيكون سؤاله عمَّا يجوز له أن يحميه من الأراك بإحياء الأرض التي هو فيها، فالمُراد بالحمايةِ في هذا الموطن، الإحياء بالاصطلاح المأخوذ عن المعنى الشرعيِّ وهو سائغٌ لغةً لأنَّ الإحياء يُصاحبه في الغالبِ أن يكون ما أحياه حمىً، وما لا تناله أخفاف الإبل هو ما لا تصل إليه الإبل في العادة بل يرعى الناس فيما دونه، لبعده وانقطاع حاجة الناس عنه وعدم انتفاعهم به، يوضِّحه أنَّ المرعى إمَّا أن يكون مشاعًا للناس، وإمَّا أن يكون حمىً لبعضِهم وعن الثاني سأل أبيض بن حمَّال.
وقول بعض الفقهاء بأنَّ المعدن الَّذي يجوز تملُّكه واقتطاعه هو ما لا يُتوصَّل إليه إلاَّ بكدٍّ ومشقَّة، تقييد للحكم ببعضِ لوازمِ العلَّة فيما يظهر، فالمناط هو ما يحصل به الإحياء بشرطِ الانتفاعِ، والانتفاع في المعادن خاصَّةً لا يحصل إلاَّ بكدٍّ في الغالب الأعمّ، لكنَّ كون الانتفاع بكدٍّ ومشقَّةٍ غيرُ مُشترط كما لا يُشترط في سائر مسائل الإحياء، ويكون التفريق بين المعادن التي يجوز إقطاعُها والَّتي لا يجوز ذلك فيها بحسب الكثرة والقلَّة، فما كثُر بحيث تتعلَّق به حاجة عموم الناس وانتفاعهم مُنع الواحد من اقتطاعه، وما قلَّ جاز اقتطاعه ومَلَكهُ صاحبه، والله أعلم.