وهو دليلٌ على امتناع تملُّك ما كان معدنًا كثيرًا جرت العادة بانتفاع عامَّة الناس به لكثرته، مع الأصلِ الَّذي قدَّمناه من منع تملُّكِ أحدٍ من الناس لما تتعلَّق به حاجة العموم، ويلحقهم الضرر بمنعه عنهم، وقول الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: إنَّما أقطعته الماء العدّ، دليلٌ على استقرار هذا الأصل، وأنَّ ما كان هذا شأنه لم يتملَّكه أحدٌ من الناس، ولذا ارتجعه رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، والتعليل بكثرة الماء هو ظاهر الحديث، والَّذي يظهر من المعنى أنَّ المراد تعلُّق الحاجة به وقصد الناس له بسبب كثرته.
والكلام في المعادن وما يصحُّ أن يُقطعه الإمام بعضَ الرعيَّة منها داخلٌ في بعض وجوهِهِ في مسألةِ إحياء الموات، والجامع بينهما أنَّ إحياء المواتِ لا يكون إلاَّ لأرضٍ بعيدةٍ عن العمران لا ينتفع بها الناس في الغالب، وإحياء الأرض يكون لأجل الانتفاع بها، ومنافع الأرض تشمل المعادن والزرع والسُّكنى وغير ذلك، فتكون مسألة المعادن فرعًا من فروع إحياء المواتِ من هذا الوجه، ونظيرًا لمسألة إحياء الموات من جهة أن كلاًّ منهما يُقصد مستقلاًّ للانتفاع به.
وإذا كانت حكمة إحياء الموات، الإذن بالانتفاع مما لا يُنتفع به، لئلا تتعطل منفعته مع وجود من يحتاج إليها، فإنَّ مقتضى هذه الحكمة: المنع من قصر ما ينتفع به العموم على بعض المنتفعين مع استوائهم في الحاجة إليه، والغاية من هذين الحكمينِ واحدةٌ، وهي انتفاع الناس بما خلقه الله لهم، ودرءُ الضررِ الناشئ من تفويتِ هذه المنافعِ عليهم.