مواقفُ كثيرةٌ ومتّصلةٌ يفتضح فيها الغربُ في زعمه أنه يَتَبَنَّى الديموقراطيّةَ وحريّةَ التعبير أو حريّةَ المُعْتَقَد والدين . ولستُ هنا بسبيل إحصاء هذه المواقف ، وإنما سأكتفي بالإشارة إلى بعض المواقف الساخنة التي شَهِدَها العالَمُ خلالَ الأسابيع القليلة الماضية ، والتي كانت ردًّا قاطعًا على زعمه ، وشَكَّلَت مظهرًا حيًّا للتناقضات التي يتورّط فيها والكيلِ بمكيالين الذي يمارسه في وقاحةٍ أيِّ وقاحة .
الغربُ عندما يمسّ شيءٌ مصالحَه أو أهواءَه يتنكّر لكل ما عنده من حرية الرأي والديموقراطية المزعومة التي يَتَبَجَّح بها ؛ فها هو ذا عمدةُ مدينة"لندن"السيّد"كين ليفنجستون"يُعَاقَبُ بالتوقيف عن العمل لأربعة أسابيع بموجب القرار الصادر ضدّه يوم الجمعة 25/محرم 1427هـ الموافق 24/فبراير2006م عن الهيئة التأديبّية المُخَصَّصَة للنظر في أداء المسؤولين المحليين ، التي عَلَّلَتْ القرار بأنّ تصريحات العمدة:"تفتقر إلى الحسّاسيّة وتتضمّن إهانةً غير مُبَرِّرَةٍ للصحفيّ"لارتكابه"ذنبًا كبيرًا"مُتَمَثِّلًا في تشبيهه في فبراير 2005م (محرم/1426هـ) صحفيًّا بريطانيًّا يهوديًّا في صحيفة"إيفننج ستاندر"الصادرة بلندن بـ"حارس مُعَسْكَر اعتقال نازيّ خلال الحرب العالميّة الثانية".
والجدير بالملاحظة أن صدور هذا القرار جاء يُزَامِنُ صدورَ الحكم من إحدى المحاكم النمساويّة - الذي صَدَرَ في عاصمة النمسا"فيينا"يومَ الاثنين: 20/فبراير 2006م = 21/ محرم 1427هـ - ضد الكاتب والمؤرخ البريطاني"ديفيد أرفينج"بالسجن ثلاث سنوات ؛ لأنه أنكر حدوث المحرقة اليهودية المعروفة بـ"الهولوكوست" (Holocaust) .
إنّ الغرب المُطَبِّل لحريّة الرأي والداعي لها لحدّ التقديس لم يَسَعْه أن يتحمّل محاولةَ المساس باليهود حتى في إطار حرية التعبير وحريّة الرأي؛ لأنّ اليهود عنده - جنسًا وتأريخًا وسلوكًا -"خطّ أحمر"لايجوز لديه التقارب منه فضلًا عن عبوره وتجاوزه ؛ حيث إنهم فوق كل قانون وشرعيّة فضلًا عن الانتقاد والملام والاتّهام!.
أمّا عمدةُ لندن السيد"كين ليفنجستون"فمعاقبتُه لاتُعَرِّي فقط مبدأ"حرية الرأي"المزعوم الذي يتباهى به الغرب كثيرًا ودائمًا بين يدي الأسرة الدوليّة ، وإنّما تُعَرِّي كذلك الحقدَ الأسودَ والعصبيّةَ المنتنةَ التي يحملها ضدّ الإسلام والمسلمين مُحاوِلًا التغطيةَ عليها بأساليبَ عديدة؛ فالعمدةُ ظل من خلال مواقفه النبيلة يناصر القضايا الإسلاميّة والعربيّة عبر السنوات الماضية؛ فهو من القلائل من قادة وساسة الغرب الذين يُمَثِّلُون الصوتَ النزيه الذي ينبغي أن يكون نابعًا دائمًا من ضمير الغرب الذي لايفتر يتفاخر بالعدل والمساواة وحرية الرأي: المبادئ التي تتكسر دائمًا على صخرة الواقع ؛ لأنه لاينادي بها عن صدق ونزاهة ، وإنما ينادي بها عن غرض أو مرض .
وقد فضح السيد العمدة بآرائه وتصريحاته الصادقة اليهودَ ، ووقف مواقفَ عديدةً شَكَّلَتْ للصهاينة ضربات مؤلمة للغاية على كل من المستويين السياسي والإعلامي ، وتناولت المشروع الصهيوني في فلسطين بانتقاد شديد ، وأداء الحكومة الصهيونية بملام لاذع ، وعارضت - على أساس متين من المصداقية - العملية العسكرية الأمريكية الغربية للعراق . كما وقف موقفًا مشرفًا عن العلاّمة المفكر الداعية المؤلّف المكثار الدكتور يوسف القرضاوي حين دافع عنه وأصَرَّ على استضافته بلندن ، رغم الحملات المكثفة التي شنها ضدّه الإعلام الغربي الصهيوني لتشويه سمعة الدكتور.
ومن هنا ظلّت الدوائر الصهيونية تترصّد الفرصةَ لإيقاعه في الفخّ ، وتناوله بالعقاب ، حتى يكون عبرة لكل من تحدث نفسُه بالتجرأ على ممارسة حرية التعبير بشأن اليهود الذين هم أقدس جنس بشريّ على وجه الأرض !.
أما الكاتب والمؤرخ البريطاني"ديفيد إرفينج"فكان دنبُه أنّه فَكَّرَ تفكيرًا نابعًا من حرية الرأي وعبّر عما تَوَصَّل إليه تفكيره بحرية عن قضية"الهولوكوست"اليهودية أي المحرقة النازية التي أودت - كما يزعم الصهاينة - بـ 6 ملايين يهوديّ ؛ فقد أعلن"ديفيد"أكثر من مرة إنكارَه لهذه القضية التي جعلها الغربُ قضيةً مقدسةً وجعل الدفاعَ عنها أقدسَ ما تعنيه كلمة الدفاع. ورغم أن الرأيَ الذي أبداه الكاتب والمؤرخ البريطاني ينبني على أبحاث ودراسات أجراها على أرض الواقع أكّدت له أن"الهولوكوست"هي أصلًا الكذبة الصهيونية الكبرى التي اصْطُنِعَتْ حجةً قويةً ومُبَرِّرًا صلبًا لاحتلال العالم.
وقد صدق"ديفيد"عندما قال في كتابه"الهولوكوست الأخير":