إن الأمة الحية، هي الأمة التي تحوز على مبدأ ووجهة نظر خاصة لها في الحياة، تطبق هذا المبدأ في حياتها، وتسعى لنشره في العالم أجمع، وتبقى كذلك ما دامت محافظة على مبدئها كاملًا، فإذا ما عصفت بها العواصف، وتخلت عن بعضه أو عن جزء منه، فإنها تبدأ بالتهاوي والسقوط، وتذهب حيويتها في مهب الريح، وتصبح في ذل ما بعده ذل، وهوان ما بعده هوان.
وهذه هي حال الأمة الإسلامية اليوم، فبعد أن كانت الأمة الإسلامية التي هي خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وحاملة لواء الجهاد لنشر الدعوة الإسلامية، بعد أن كانت دولتها دولة الخلافة الإسلامية، هي الدولة الأولى في العالم، حاملة لواء العدل والرحمة، لواء الدين الإلهي الحق، الدين الإسلامي الذي به إنارة دروب ومصائر شعوب وقبائل وقوميات، الدين الذي جعلهم أمة واحدة من دون الناس، إخوة متحابين في الله، قال تعالى: ? إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ? [الحجرات 10] ، كما جعل التفاضل بينهم على أساس التقوى والإيمان، قال تعالى: ? إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ? [الحجرات 13] وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إن ربكم واحد، وأباكم واحد، فلا فضل لعربي على أعجمي ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى» (رواه الطبراني) ، ومفهوم السعادة نوال رضوان الله، ومقياس أعمالهم الأحكام الشرعية من حلال وحرام ومندوب ومكروه ومباح، ومفهوم لديهم أن الدين يجب أن يؤخذ كاملًا متكاملًا، ولا يطبق إلا كاملًا متكاملًا عن طريق الدولة. قال تعالى: ? فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ? [النساء 65] ، وقال تعالى أيضًا: ?وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ? [المائدة 49] ، وقال: ? إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ? [آل عمران 19] فالصحابة، رضوان الله عليهم، بانشغالهم لاختيار وبيعة خليفة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يحكمهم بالإسلام عن دفنه صلوات الله وسلامه عليه، ومحاربة أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) أمير المؤمنين، حاكمهم وخليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للمرتدين عن الإسلام، بسبب رفض البعض للصلاة والبعض الآخر للزكاة، لخير دليل على أن هذه الأمة، كانت فاهمة لدينها، وواجبها نحوه، فكان همها الأكبر تطبيق شريعة هذا الدين على نفسها أولًا بوجود الدولة المطبقة للشريعة، والحامية لها وللأمة، ومن ثم حمل هذا الدين لبقية شعوب العالم عن طريق الجهاد، ذروة سنام الإسلام. قال تعالى: ? قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ? [التوبة 29] . وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (رواه البخاري ومسلم) .
هذه الأمة التي كانت تبيع الدنيا وما فيها من متع وملذات، في سبيل إعلاء كلمة الله ومرضاته، تضحي بالأموال والأنفس في سبيل رفعة دينه وتمكينه في الأرض، أصبحت الأمة إذا أرادت أن تفكر، فكر لها الغرب، كأنها قاصر لم تبلغ سن الرشد بعد، وإذا أرادت أن تحكم نفسها تستورد الحكام من الغرب، وإذا أرادت الصلاح استعانت بالغرب، كأنه قبلتها، بأحكامه وأفكاره ثقافته وحضارته، والله تعالى يقول: ? يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا ? [النساء 144] وقال تعالى أيضًا: ? يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ? [الممتحنة 1] فالغرب وتقليده هو المبتغى والأساس الذي يجب أن تسير بحسبه، إذا أرادت الرفعة والنهوض، هكذا أوحى لها الغرب، وهذه القاصر المطيعة، ارتمت بين أحضانه، فانقلبت الموازين الأذواق، فكانت الطامة الكبرى على هذه الأمة، إلا من رحم ربي.