فهرس الكتاب

الصفحة 2893 من 27345

سامي بن عبد العزيز الماجد 24/3/1423

إن الناس لم يخلقوا فاسدين، وما كان الفساد أصلًا في الحياة، ولا مجبورًا عليه أحد من العباد، وإنما ينشأ بالتخلق والاكتساب.

وفيما علمناه بالضرورة والبداهة من غير أن نتلقفه بتلقين أو بحث: أن المرء يولد مسلوب الإرادة في اختيار نسبه، وجنسه، وخلقه.

ولقد علمنا كذلك علمًا أغنانا عن التحقيق والمدارسة وكدَّ الأذهان والمراجعة أن أحدًا لا يولد مطبوعًا على الفساد، أو مفطورًا على الفجور في أصل نشأته، فضلًا أن يكون مجبورًا عليه، مسلوب الإرادة فيه .

بل علمنا ما هو أبعد من ذلك في نظر الجاهلين الحيارى، بأن الناس كلهم يولدون حنفاءَ على الفطرة، قد فُطرتْ نفوسُهم على الإسلام والهدى، علمناه من قوله:"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجَّسانه".

فما أكذب الشاعر الضال حين قال:

وهكذا كان شأن الناس مُذ فطروا ... ...

فلا يظن جهولٌ أنهم فسدوا

وهذا نظرُ المتشائمين: يرون أن الفساد والعيوب أصلٌ في الحياة لم يتغير من قبل، ولا ينتظر أن يتغير من بعد.

هذا التشاؤم أقوى سبب نافذ إلى اليأس والانهزام والاستسلام، وليس وراءه من عمل إلا التسخط ليستر سوءة العجز والكسل.

وما يجدي التسخط وليدُ التشاؤم إلا كما تجدي النياحة، لا تردّ فاتنًا، ولا تحيي موتى، ولا تذهب حزنًا، بل هو كحصاة الخذف لا تقتل الصيد ولا تنكأ العدو، ولكنها تفقأ العين وتكسر السن.

ولذا فإن لواء الإصلاح لا يحمله أولئك المتشائمون الذين يرون الفساد أصلًا في العباد وطبعًا .

ولا تكاد تنتهي معاناتنا من هؤلاء المتشائمين إلا وتظهر لنا صورٌ أخرى من المعاناة مع قومٍ آخرين يُدخِلون في معنى التشاؤم وصوره ما ليس منه في شيء؛ ليصمُوا به كل من غلب خطابه لغة الإنذار والتحذير والالتفات إلى مظاهر الفساد، فهذا في نظرهم متشائم، ينظر للحياة نظرة ضيقةٌ لا تسع لغير الخطايا، ولا تقع إلا عليها.

هكذا هو في نظرهم، ولكنه في نظر الشرع غير خاطئ ولا مُتَّهم، بل وما جاوز منهاج الرسل والمصلحين؛ لأن طريق الإصلاح أوّله هذا الخطاب الذي يغلبه الإنذار والتحذير، وإلا فكيف تخفُّ نفوس الناس إلى الإصلاح إلا بكلمات التحذير والإنذار والتخويف من مغبة الفساد واستطالة الشر.

أما إن حركة الإصلاح لا يصلح لها إلا هذا الخطاب، ولا يناسبها إلا هذا النظر الذي يقع على العيوب والأخطاء ومظاهر الشر والفساد؛ لأن المقصود تسديدُ الخلل وإقامة العوج وقطعُ دابر الشر والفساد .

حركة الإصلاح لا يصح أن تغلب فيها لغة الثناء وتزجية المدح وتعداد الفضائل؛ لأن الأصل هو غلبتُها في المجتمع، فلا معنى لحصرها، ولا حاجة إلى تذاكرها، أو الثناء على المجتمع بها إلا بقدر ما يعيد الثقة إلى النفس، ويدفع عنها اليأس، وما زاد على ذلك فإغراقٌ يُفضي إلى الغرور واستثقال النضج والإخلاد إلى الدعة والراحة .

وأخطرُ من ذلك كله حين يُفضي الإغراق في الثناء وذكر الفضائل إلى التعامي عن مظاهر الفساد والاستهانة بخطرها والتهاون في إصلاحها .

لقد سئمنا وضجرنا من هذا الثناء الممجوج الذي يُقحم في غير سياقه، ويُذكر من غير حاجة، ولا تقتضيه مناسبة، ذلك حين يكون سياق الحديث عن بعض المظاهر المزعجة التي تهدد المجتمع في أمنه وقيمه وأخلاقه واقتصاده... يتذاكرها الناس لا على سبيل الشماتة - فما يفعل ذلك العقلاء- وإنما على سبيل الإنكار والتحاذر وإيقاظ الهمم للسعي إلى الإصلاح، فإذا بك تجد من بينهم من لم تزعجه تلك المظاهر المخيفة كما يزعجه الحديث عنها؛ لأنه لم يعتد سماع ذلك الكلام، أو لأنه لا يملك من الشجاعة ما يُجابه به الواقع ويقف به على الحقائق ولو كانت مُرّةً ثقيلةً على النفس.

ولذا فهو يهرب من الحقيقة والواقع بكلامٍ غَث ساذجٍ ممجوج لا يذهب بالنفس إلا إلى الغرور والقعود عن إصلاح حالها، فما إن يسمع حديثًا عن بعض مظاهر الفساد والخلل في المجتمع وضرورة إصلاحه، إذا به يقول: نحن لا نزال في خير، ومجتمعنا من خير المجتمعات، وأخفّها انفلاتًا وفسادًا، ثم ينطلق لسانه في ذكر فضائل المجتمع ومحاسنه، ويبدأ يهوّن من شأن ما فيه من مظاهر الفساد بهذه المقارنة العجلى بين مجتمعنا والمجتمعات الأخرى، لا تكاد تنتهي صورها عند حد .

وهذا الرجل لا يُخشى عليه من شيء كما يُخشى عليه من عقله الذي يذهب به مذاهب باطلة حمقاء في التعامل مع صور الفساد ومعالجة الأخطاء .

ومقالته تلك إن صحت قبل ثلاثين سنة، فإنها لا تصحُ الآن مع تغير الظروف والأحوال، فما كل ما صح سابقًا يصح لاحقًا .

ثم هب أن مقالته صحيحة على إطلاقها، فما مناسبتها؟!!! والحديث إنما جرى بذكر مظاهر الفساد والخلل؛ للتداعي لضرورة الإصلاح والتخويف من مغبة التفريط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت