فهرس الكتاب

الصفحة 975 من 27345

د. مسفر بن علي القحطاني * 24/6/1425

كرّم الله -عزّ وجلّ- الإنسان على سائر خلقه بالعقل المدرك والروح الواعية، وجعله محور الرسالات السماوية، وميزّه في الخلق والخُلق , قال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (1) . وانطلاقًا من هذا التشريف جاء التكليف الرباني للإنسان بمهمة العبادة لله -عزّ وجلّ- والعمارة للأرض، وأي خلل في أداء الإنسان لهذين الأمرين تصبح حياته مضطربة قلقة، وعيشه في ضيق وضنك.

وبناءً على ما سبق ذكره من تمهيدٍ نُسلِّم بحقائقه ونشهد بوقائعه.. فإننا نجد أن المجتمعات في مسيرتها التاريخية إنما تتطور وتنمو وتقوى بفعل الإنسان ونضجه وتمام وعيه بهدفه الحقيقي في الحياة، وبإعماله سنن القوة والنصر والتمكين في الأرض.. ولا تنهار الأمم والمجتمعات وتضعف وتتلاشى إلى العدم أحيانًا إلا بسبب غياب أو انحراف معنى ذلك الوجود الإنساني، وهذا هو سرُّ الحضارة عند قيامها أو انهيارها.

ومن أجل تكييف هذا القصد وبيان أهمية هذا الوعي الحضاري يجدر بنا أن نسقطه على واقع أزمتنا الراهنة التي تعيشها البلاد من جرّاء تلك الحوادث الإرهابية، وذلك التطرف الفكري المأزوم لنشخّص حقيقة الخلل الواقع ولا نتشاغل بالعرض عن توصيف المرض.. إن الفترات الماضية بحوادثها الخالية التي مرّت بالأمة ألقت في روعنا نمطًا من التفكير جعلت آخر ما نفكر فيه -عند حدوث أزمة ما- أن نلوم ذواتنا, وعادة ما نهمّش تأثير أنفسنا فيما يحدث بنا من مشكلات؛ مع أننا نؤمن (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (2) ونقرأ قوله تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (3) . إن أزمتنا الراهنة في جميع المجالات الحياتية سواء كانت أمنيّة أو غيرها هي (أزمة وعي) في فهم الدين وفقه التدين، وخلل في معرفة الفرد بواجبات وحقوق الانتماء للمجتمع، بالإضافة إلى تلك الغشاوة المزمنة التي أفقدتنا رؤية المدخل الحضاري بالولوج في أزقة الوهن والولوغ في حضارات الوهم والعيش في وهد الماديات.

إن الوعي الحضاري الشامل لحاجات الإنسان والمجتمع هو رهان المستقبل للأمة المسلمة مهما بلغت من ذبول مادامت الأمة تملك نبع الحياة وإكسير النصر..

ومع هذه الأهمية القصوى للوعي الحضاري لا بد من تحرير هذا المصطلح وبيان مفهومه وحقيقته؛ ليتضح المقصود منه ويتمهد فهمه للتطبيق والعمل ..

فـ (الوعي) من المصطلحات التي شاع استعمالها نتيجة للتطور الواسع في استخدامها، كما يظهر في مجالات شتّى، خصوصًا في القضايا الفكرية والثقافية.

وبالرجوع إلى أهل اللغة في بيان معنى الوعي.. يقول ابن فارس:"الواو والعين والياء: كلمة تدل على ضمَّ الشيء. ووعيتُ العلمَ أعيه وعيًا. وأوعيت المتاع في الوعاء أُعيه.."، وهذا ما نجده أيضًا في قوله تعالى: ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) (4) وقوله: (وَجَمَعَ فَأَوْعَى) (5) ، وهي هنا بمعنى الجمع والحفظ .

وفي مرحلة لاحقه صارت الكلمة تستخدم بمعنى الفهم وسلامة الإدراك وكان علماء النفس في الماضي يعرّفون الوعي بأنه:"شعور الكائن بما في نفسه، وما يحيط به" (6) ومع تقدم العلم وتعقدّ المصطلحات والمفاهيم أخذ مدلول ( الوعي) ينحو نحو العمق والتفرع والتوسع، ليدخل العديد من المجالات النفسية والاجتماعية والفكرية. ويمكن ضبط معناه بأنه"الإدراك العقلي الواضح بمتطلبات العمل الناجح"؛ وبالتالي فإن أي مشروع إنساني لابد أن يُسبق بتفكير موضوعي يضمن سلامته وتوافقه مع سنن الحياة. و الوعي المجرد من العمل -في وجهة نظري- سفسطة وخيال.

أما مصطلح (الحضارة) ؛ فهو من المصطلحات التي تختلف مدلولاتها من ثقافة إلى أخرى ومن تداولات تحكمها البيئات المختلفة.

فالحضارة في اللغة العربية مأخوذة من الحاضرة وهي ضد البادية وفي الإنجليزية (civilization) تعود إلى الجذر اللاتيني (civites) وتعني المدنية، فالمعنيان متقاربان في اللغتين من حيث الجذر (7) ؛ إلا أن ابن خلدون وهو من أوائل من استخدم هذا المصطلح جعل الحضارة هي:"غاية العمران ونهاية لعمره، وأنها مؤذنة بفساده" (8) .. فالحضارة عند ابن خلدون تعني غاية المبالغة في التحضر ونهاية عمر الترف المادي المؤذن بعدها بالانحطاط، وهذا المعنى يختلف مع المعنى الذي يقصده المعاصرون.

يقول ديورانت:"الحضارة نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي، وتتألف من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية ومتابعة العلوم والفنون. وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت