فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 27345

الكاتب: الشيخ د.عائض بن عبدالله القرني

تقييم:

الرسالة وسيلة مهمة من وسائل الدعوة، وقد استخدمها النبي صلى الله عليه وسلم في حياته في الدعوة إلى الله.

لكن لكتابة الرسالة أحكام وآداب، لابد من معرفتها، وفي هذه المادة تعرض لتلك الآداب والأحكام.

حديث رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فنسأل الله تعالى أن يجمعنا بكم وبكل مؤمن يريد الله والدار الآخرة في دار الكرامة، فإنه لا جمع في هذه الدار، وإنما هي دار الهم والحزن والغم، وما فيها أنس إلا بمثل هذه الوجوه الصالحة النيرة، وما هناك أنس إلا بسماع قول الله وقول الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا أنزل نور مع هذا النور الوهاج الذي أرسله محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا.

نور الهداية ونور الوحي ونور الرسالة، وكل أرض لا تشرق عليها شمس الرسالة فهي أرض ملعونة، وكل قلب لم يشرق بهذا الدين فهو قلب مغضوب ومسخوط عليه.

يحدثنا الإمام البخاري فيقول: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، أن عبد الله بن عباس أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه رجلًا، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين ، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فحسبت أن ابن المسيب قال:"فدعا عليهم صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق".

هذا الحديث ذكره الإمام البخاري تحت (باب ما يذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان) .

في هذا الحديث مسائل:

أولًا: ترجمة بعض الرجال الذين روى لهم البخاري ولا نأخذ رجال السند كله، لأننا أعفينا أنفسنا وأعفيناكم من طول السند، ولكن نذكر بعضهم، وأنتم تعرفون أن المقصد من عرض تراجم السلف الصالح هو التربية، وإثارة الحمية فينا أن نقتدي بآبائنا وأجدادنا الذين سلفوا

عبيد الله بن عتبة وطرف من أخباره

عبيد الله هو أمة من الأمم التي أوجدها الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لحفظ العلم، وهو من الفقهاء السبعة من أهل المدينة ، بكى من قيام الليل حتى عمي، مر به أحد التلاميذ، قال: يا أبا عتبة أين العينان الجميلتان؟ قال:"ذهب بهما بكاء الأسحار"هو أستاذ عمر بن عبد العزيز ، وكلكم يعرف عمر بن عبد العزيز ، والذي لا يعرفه فالواجب أن يعرفه من الليلة، لأن اتصال سندنا بعمر بن عبد العزيز اتصال لا بد منه لمن أراد الله والدار الآخرة، فإن هؤلاء الأئمة جعلهم الله يهدون بأمره لما صبروا وكانوا بآياته يوقنون.

فعمر بن عبد العزيز الذي تقلد أمر الأمة، هو حسنة من حسنات عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، فقد كان شيخه في التدريس، وكان عمر شابًا يطلب العلم في المدينة المنورة ، لأن أباه عبد العزيز بن مروان الذي كان والي مصر ، أرسل ابنه ليتعلم العلم في المدينة ، فكان عمر بن عبد العزيز وهو في ريعان الشباب يصلي العصر بحلة -أي: بلباس- ويصلي المغرب بلباس ثانٍ، ويصلي العشاء بلباس ثالث، هكذا لأن حياته وبيئتة سمحت له بذلك، وسنتعرض لموضوع اللباس -إن شاء الله- في صحيح البخاري ، ونذكر ما يحمد وما يذم منه، وإنما الأعمال بالنيات.

سمع عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عمر بن عبد العزيز يتنقص عليًا رضي الله عن علي ، فاستدعاه، وأجلسه أمامه وهو يحاسبه حسابًا عسيرًا، فقال عبيد الله: يا عمر بن عبد العزيز ! متى سمعت أن الله غضب على أهل بدر بعد أن رضي عنهم؟ متى سمعت أن الله غضب على أهل بيعة الرضوان بعد أن رضي عنهم؟

فبكى عمر وانكسر يبكي أمام عبيد الله ، وقال: أعاهد الله ثم أعاهدك ألا أعود إلى ذلك، فلما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة كانت كلمات أستاذه مغروسة في ذهنه أبد الدهر، يقول وهو يبكي بعد صلاة العشاء في ليلة من الليالي:"والله لوددت أن لي ليلة من ليالي عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بالدنيا وما فيها".

والصحيح أنه تولى الخلافة وعبيد الله ما زال حيًا.

أدرك ستة أشهر من الخلافة، فارتاح أن يتولى تلميذه العالم الإسلامي، فقادهم إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

وقد كان بنو أمية يسبون عليًا رضي الله عنه على المنابر، فجعل عمر بن عبد العزيز مكان هذا إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل:90] .

دخل عليه مرزوق مولى علي بن أبي طالب في عيد الفطر، فقال عمر: مولى من أنت؟ قال: فخفض صوته وقال: مولى علي حتى لا يسمع بنو أمية، فدمعت عينا عمر بن عبد العزيز وقال: ارفع صوتك وقل: مولى علي ، وأنا مولى علي ، لا تولى الله من لا يتولى عليًا ! ولا قبل منه صرفًا ولا عدلًا ولا كلامًا يوم القيامة! ثم قال: لك عندي مائتا درهم، أما مائة فلأنك مولى، وأما المائة الثانية فلأنك مولى علي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت