يتناول الدرس ظاهرة كثرة الحديث عن المنهج، وطرح التساؤلات، وإثارة النقاش حوله، وكثرة استخدام هذا المصطلح في الخطاب الدعوي، وتقويم الجهود والأعمال الدعوية، ثم عرض لأهم الأخطاء في المنهج الناتجة عن قصور تصور طبيعة المنهج .
يكثر اليوم الحديث عن المنهج، وطرح التساؤلات، وإثارة النقاش حوله، ويكثر استخدام هذا المصطلح في الخطاب الدعوي، وتقويم الجهود والأعمال الدعوية. والحديث عن المنهج مظهر من مظاهر النضج في التفكير، وتجاوز الوقوف عند المسائل الفرعية وتكرارها، والجدل فيها على حساب الأصول، ولكن ما طبيعة هذا الحديث؟ أهو حشد للطاقات والجهود داخل إطار الطائفة الناجية لاستكشاف معالم المنهج، وتحديد الثوابت الدعوية في مثل هذا العصر وظروفه؟ أم أن الجهود اتجهت للتشاجر والتطاحن داخل الصف الإسلامي بل داخل صف أهل السنة؟إن الغيرة وسلامة النية وحدها ليست كافية لتزكية كل عمل يطرح في الساحة الدعوية، وليست وحدها عاملًا لقبول ما يطرح، بل لابد من المناقشة والمراجعة للكثير مما يطرح حول المنهج.
وما أسطره هنا لايعدو كونه اجتهادًا فرديًا، ومحاولة شخصية آمل من القارئ الكريم أن لا يؤدي به اختلافه معي في قضية، أو جزئية إلى رفض ما يوافقني عليه، وكل يؤخذ من كلامه ويرد، إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم .
المنهج في اللغة: حين نرجع إلى لسان العرب نستطيع أن نستنبط من معاني المنهج ومشتقاته:
الوضوح: 'طريق نهج: بين واضح ... ومَنْهَجُ الطريق: وَضَحُه، والمنهاج كالمنهج.
وأنهج الطريق: وضح واستبان، صار نهجًا واضحًا بينًا، والمنهاج: الطريق الواضح، واستنهج الطريق صار نهجًا.
سلوك الطريق: نهجت الطريق: سلكته، والنهج الطريق المستقيم.
الانقطاع: وهو ليس من هذا الباب، بل من أصل الثاني.
المنهج في الكتاب والسنة: ففي القرآن:ورد المنهج في قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [48] { [سورة المائدة] .
وفي السنة النبوية: جاء استخدام هذا المصطلح في حديث:'تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَتَ'واه أحمد . وفي حديث الرؤيا التي عبرها أبو بكر رضي الله عنه:'.. ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِكَ رَجُلٌ عَلَى مِنْهَاجِكَ فَيَعْلُو وَيُعْلِيهِ اللَّهُ ...'رواه أحمد- ورواه البخاري ومسلم بلفظ آخر-. وعن العباس رضي الله عنه قال:'...إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهِ مَا مَاتَ حَتَّى تَرَكَ السَّبِيلَ نَهْجًا وَاضِحًا ... 'رواه الدارمي .
أولًا: اعتبار أقوال الرجال مقياسًا للمنهج: مما لا جدال فيه أن لأقوال أهل العلم قيمة ومكانة، ولا أدل على ذلك من أنك لا تقرأ لأحد من المعتبرين في مسألة من المسائل إلا وتراه يثني على اختياره قولًا من الأقوال في الإشارة إلى من قال بهذا القول من أهل العلم. لكن هذا شيء، واعتبار أقوالهم وآرائهم حجة شرعية ومصدرًا للتلقي شيء آخر!
وفي ميدان التقرير النظري، فلن تجد أحدًا من أهل السنة يعتقد العصمة لرجل من الرجال، أو يرى أن قوله حجة ملزمة للأمة كلها، لكنك حين تنتقل إلى ميدان العمل والتطبيق؛ فسترى الكثير ممن يتحدث عن قضايا كبرى تتعلق بالمنهج ينطلق من رأي فلان وفلان من الناس، ويظهر أثر ذلك في جوانب عدة منها:
استفتاء البعض من أهل العلم في كل ما يجد ويحدث، واعتبار هذه الفتوى أو الرأي حجة دون اعتبار الدليل الشرعي.
في مجال تقويم الأعمال الدعوية والجهود والبرامج، أو تقويم البعض من الدعاة قد يُكتفى بسؤال فلان أو فلان من الناس، واعتبار رأيه حجة قاطعة.
ا لحكم بالانحراف عن المنهج على فرد، أو داعية بحجة أنه خالف ما قرره العالم الفلاني، أو الجماعة الفلانية، أو الهيئة العلمية الفلانية.
ومع تأكيدنا لقيمة أقوال أهل العلم، وضرورة استفتائهم إلا أن هذا شيء، واعتبار أقوال بعضهم حجة على الأمة شيء آخر، قال شيخ الإسلام رحمه الله:'وقد يقول كثير من علماء المسلمين، أهل العلم والدين من الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين: كالأربعة وغيرهم أقوالًا باجتهادهم، فهذه يسوغ القول بها، ولا يجب على كل مسلم أن يلتزم إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم'