فهرس الكتاب

الصفحة 4099 من 27345

محمد السماك

تركت الخلفية التاريخية للوطن العربي الشديدة الغنى دينيًا وحضاريًا، بصماتها على شعوبه العربية وغير العربية. >فالموروث الديني أدى مع مرور الزمن ليس فقط إلى التنوع الديني، إنما إلى تنوع في المذاهب داخل الدين الواحد. والموروث الحضاري أدى كذلك إلى قيام عصبيات أثنية وشعوبية مرتبطة بهذا الموروث.

لعب الإسلام الدور الأهم في تحقيق وحدة الأمة مع المحافظة على هذا التنوع. ولذلك فإن ضرب الإسلام هو المدخل إلى تفتيت الأمة وتمزيقها.

أ ـ البعد الديني

في الأساس يرسم الإسلام خطين واضحين بين المسلمين وغير المسلمين. وبين أهل الكتاب المشركين. هناك تشريعات إسلامية خاصة بالمسلمين. وهناك تشريعات تحدد علاقة المسلمين وتعاملهم مع أهل الكتاب. وهناك تشريعات من نوع ثالث تتناول الكفار والمشركين.بالنسبة إلى أهل الكتاب، لابد من إبراز ما يأتي:

1ـ إن الإسلام عقيدة سابقة لبعثة محمد (صلى الله عليه وسلم) ، بدأ مع إبراهيم واستمر مع موسى وعيسى بمحمد (صلوات الله عليهم جميعًا) .

2ـ إن الدين واحد والتشريعات مختلفة. يقول أبو حنيفة: إن رسل الله لم يكونوا على أديان مختلفة، ولم يكن رسول منهم يأمر قومه بترك دين الرسول الذي كان قبله لأن دينهم كان واحدًا. وكان كل رسول يدعو إلى شريعة نفسه وينهى عن شريعة الرسول الذي قبله لأن شرائعهم مختلفة. وهذا يفسر قول الله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا...) (المائدة:48) .

وقوله تعالى: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) (المائدة:48) .

إن الدين لم يبدل ولم يحول ولم يغير. والشرائع قد غيرت وبدلت لأنه رب شيء قد كان حلالًا لأناس قد حرمه الله عز وجل على آخرين. في ضوء ذلك رأى أبو حنيفة أن الدين واحد، وهو التوحيد، والشرائع مختلفة. فإن اتفق آخرون مع المسلمين في الأصل فإن اختلافات الشرائع الجزئية أمر طبيعي، وعلى الفقيه أن يفهم هذا المعنى الوحدوي للإسلام المستوعب الذي يريد جمع الناس، وتوحيد المجتمع في الداخل من مبدأ الاعتراف باختلاف الشرائع، أي إمكان وجود شريعة اجتماعية أخرى غير الشريعة الإسلامية لفئات اجتماعية تعيش مع المسلمين في مجتمع واحد.

3ـ لا يصح إسلام من ينكر أو من لا يعترف باليهودية والمسيحية. طبعًا هناك وجهات نظر مختلفة حول قضايا التحريف والتأويل. ولكن هذا موضوع آخر. الأساس هو الاعتراف والإيمان بكل من موسى وعيسى وعليهما السلام وبأن رسالتيهما الدينيتين وحي من الله.

4ـ إن التشريع الإسلامي المتعلق باليهود وبالمسيحيين لم يصدر مرة واحدة. شأنه شأن كل سور القرآن الكريم وآياته. نزل التشريع على فترات وكان لنزوله أسباب (أسباب النزول) تتعلق بحوادث معينة. في المرحلة المكية تجدر الإشارة إلى أن الإسلام كان ودودًا مع المسيحيين ومع اليهود. ذلك أنه في تلك المرحلة كان المجتمع المكي يتألف من أهل الكتاب وكفار وكان من الطبيعي أن يكون النبي مع أهل الكتاب ضد الكفار لأسباب إيمانية وليس لأسباب تكتيكية كما ادعى بعض المستشرقين عن سوء نية. وبالتالي كان خطابه أقرب إليهم وإلى معتقداتهم.

وفي المرحلة المدنية (بدءًا من عام 622م) اتخذ التشريع الإسلامي طابع بناء الدولة عل قاعدة وحدة الأمة، هنا بدأ التباين بين المسلمين واليهود، فالذين تنكروا للمسيح الذي ظهر بينهم ومنهم، لم يؤمنوا بمحمد الذي ظهر بين العرب ومنهم.

تزامن هذا التباين مع سلسلة من الحملات العسكرية التي قام بها مشركو مكة ضد الإسلام في المدينة لمنع قيام دولته، ولكي يتجنب الرسول (صلى الله عليه وسلم) مواجهة على جبهتين، جبهة المشركين القادمين من الخارج ـ من خارج المدينة ـ وجبهة اليهود داخل المجتمع الإسلامي ـ داخل المدينة ـ عمد إلى عقد معاهدات مع اليهود لتحييدهم.

هذه المعاهدات أرست قاعدة العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب، وتطورت بعد ذلك وفقًا لتطور الدولة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين. فقد ورد في نظام المدينة أن"لليهود دينهم وللمؤمنين دينهم إلا من ظلم وأثم"وأن المؤمنين من قريش والمؤمنين من يثرب ومن أنضم إليهم وقاتل معهم هم أمة واحدة. وأن اليهود يؤلفون أمة واحدة مع المؤمنين وأن"لمن تبعنا من اليهود الحق في تلقي العون من المسلمين والمساعدة طالما أنهم لم يعملوا ضدهم أو يقدموا العون لعدوهم".

نكث اليهود العهد مع المسلمين. أولًا في معركة بدر حيث أقاموا علاقات سرية مع كفار قريش. ثم في معركة أحد (سنة 625م) فقد تحرك اليهود ضد المسلمين عندما شعروا أن المسلمين على قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة. ردَّ المسلمون بعد هزيمتهم في أحد بالسيطرة على المواقع اليهودية تدريجيًا إلى أن انتهى الأمر بالاستيلاء على واحة خيبر معقل اليهود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت