فهرس الكتاب

الصفحة 9271 من 27345

بقلم: محمد الحسناوي

مقدمة في المصطلحات:

يميز علم النفس بين عدد من المصطلحات كالانفعال والعاطفة والعقدة. فالعاطفة استعداد نفسي، ينشأ عن تركيزمجموعة من الانفعالات حول موضوع معين، ذلك لأن هذا الموضوع في خبرة الشخص الماضية كان مثيرًا لعدد من الميول المختلفة ونتج عن تكرر هذه الاستثارة أن أصبح الفرد مستعدًا للاستجابة الانفعالية (على نحو له، استجابة تختلف باختلاف الموقف الذي يوجد فيه. فالعاطفة إذن هي عبارة عن اتجاه وجداني نحو موضوع بعينه، مكتسبة بالخبرة والتعلم) . (1)

والفرق كبير بين العاطفة والانفعال (EMOTION) . فبينما يكون الانفعال تجربة عابرة، إذا العاطفة (SENTIMENT) نزعة مكتسبة تكونت بالتدرج، بعد أن مرت خلال تجارب وجدانية وأعمال عدة (2) .

أما العقدة فهي ليست إلا تنظيمًا لمجموعة من الانفعالات السابقة أيضًا في مركب جديد. وتختلف العقدة عن العاطفة في أن المركب الانفعالي في حالة العقدة هو مركب لا شعوري، في حين أنه في حالة العاطفة يكون في مستوى شعوري (3) .

إن هذه التراكيب أو المجاميع تكسب الحياة الانفعالية المتقلبة قدرًا من الانسجام، وهي تتجمع من جديد في مجاميع أوسع. وهذه بدورها حين تتجمع ثانية في نظام واحد شامل متناسق، تكوّن ما نسميه (الشخصية) . إن العواطف الثابتة تعطي الحياة الوجدانية نظامًا واتساقًا نحو أهداف بالذات، وأن عاطفة قوية، لهي كافية لتجديد نشاط الفرد واتجاهه في حياته. فالعواطف تلعب دورًا هامًا في حياة الإنسان، وهي مصدر معظم دوافعنا وجهودنا. تأمل عاطفة الأم نحو ابنها، وتأمل كيف تصوغ هذه العاطفة حياتها وتشكلها، وكيف تجدد سلوكها وتحفظ هذا السلوك من جانب ابنها ومن أجله، حتى آخر لحظة من لحظات حياتها، وكيف تتحمل المتاعب والصعاب في سبيله، دون أن تشكو مرة أو تتبرم (4) .

وفي مجال النقد الأدبي تعرف العاطفة بأنها حالة شعورية في مقابل التصور الذي يحدثه الإحساس. مثال ذلك: أحس باللون الأحمر الذي يبعث فيَّ عاطفة الانشراح. وعلى العموم: العاطفة هي كل حالة انفعالية، في مقابل الحالة التعقلية والفاعلة (5) .

ومن غير نقض أو إهمال لمصطلحات علم النفس نرانا ميالين إلى استخدام التعريف الذي يتداوله نقاد الأدب في بحثنا هذا. وهذا لا يمنعنا من التدقيق والتنبيه حين نستخدم مصطلحات علم النفس عند اللزوم.

العواطف في التصور الإسلامي:

من قواعد التصور الإسلامي تكريم الإنسان. قال الله تعالى: [ ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا ] (الإسراء: 70) .

وطبيعة هذا الإنسان المكرم - في التصور الإسلامي- أنه قبضة من طين الأرض، ونفحة من روح الله، غير منفصل بأحد عنصريه من عنصره الآخر في أية لحظة من اللحظات. [ وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرًا من صلصال من حمأٍ مسنون. فإذا سويتُه ونفختُ فيه من روحي فقعوا له ساجدين ] (الحجر: 9) . فلا هو بالحيوان الصرف، كما ترى الداروينية، ولا يمكن أن يكون ملاكًا كما تسعى إلى ذلك الهندوكية والبوذية بالرهبانية. من خبر الرهط الثلاثة الذين سألوا أزواج النبي عليه السلام عن عبادته، فلما أخبروا عنها كأنهم تقالُّوها. وأحدهم يصلي الليل أبدًا، والثاني يصوم الدهر أبدًا، والثالث يعتزل النساء، فجاء إليهم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغِبَ عن سنتي فليس مني) . (رواه مسلم) .

فالإنسان يأكل ويشرب ويتزوج كالحيوان، لكنه يختلف عنه بالفارق النفسي الشعوري وطريقة السلوك، وكم تخطئ المذاهب والفلسفات التي تجرد الإنسان من الإحساس والمشاعر والحياة الانفعالية، حين تلغي واقع"النفس"كله، لتثبت فقط واقع (المادة) ، متأثرة بالنظرة المادية الحيوانية للإنسان، التي لا تجعل منه قيمة أعلى من قيمة المادة، بل بالعكس قيمة أقل، لأن المادة تؤثر في الإنسان تأثيرًا (حتميًا) ، يخضع له أراد أو لم يرد، في حين لا يؤثر هو في المادة إلا برضاها ورغبتها! وحسب قوانينها الذاتية ذات الطابع الحتمي والجبروت (6) !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت