الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، ورسولًا إلى الناس أجمعين سيد الأولين والآخرين محمد بن عبدالله ورسوله الأمين.
وبعد،،
فإن البشر لا يستطيعون بأنفسهم معرفة خالقهم ورازقهم، وإلههم الذي لا إله إلا هو سبحانه وذلك لاحتجابه عنهم بعظمته وكبريائه وعلوه على خلقه، لا تدركه أبصارهم، ولا تسمعه آذانهم إلا لمن شاء الله منهم وهم أفراد قليلون من رسله وأنبيائه.
ولما كانت حاجة البشر إلى معرفة خالقهم ورازقهم وإلههم وربهم الذي لا إله إلا هو، ولا رب لهم سواه أعظم من حاجتهم إلى الهواء الذي يتنفسونه، والماء الذي يشربونه، والطعام الذي يأكلونه فإن معرفة الرب والإيمان به، وطاعته هي غاية وجودهم، وسبب إنشائهم وخلقهم، وعليها يتوقف سعادتهم وشقاوتهم، فمن آمن فقد فاز ونجا، ومن كفر فقد خسر وهلك.
و لما كان سبب ضلال البشر ناشئًا عن الجهل بالله أو العناد والمكابرة بعد العلم به.
ولما كان الجاهلون بالله إما جاهلون لا يعلمون، وإما جاهلون ويظنون أنهم يعلمون وإما جاهلون قد نسبوا لله صفات ليست من صفاته وتخيلوا ربهم وإلههم على غير ما هو عليه، وقالوا على الله بلا علم، ونسبوا له الولد وهم يظنون أنهم ينزهونه، وشتموه وهم يظنون أنهم يسبحونه.
ولما كان من أصناف الجهل بالله العلم بجانب من صفاته والجهل بجانب آخر مما ينتج عنه اختلال في الفهم والعلم وانجراف في العمل والسلوك..
من أجل هذا كله -ولحكم أخرى- أحببت أن أجمع هذا المختصر الوافي إن شاء الله في بيان صفة الرب كما عرفنا هو بنفسه سبحانه عن طريق وحيه إلى رسله غير متقول على الله -بحول الله وقوته-، ولا مسند قولًا إلا إلى كتابه وسنة رسوله الثابتة الصحيحة عنه، وأرجو أن يجمع هذا المختصر الوافي المعاني الإجمالية لصفات الله سبحانه وتعالى، ليعرف المؤمن ربه على الحقيقة، ويتخذ السبيل إليه: {ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين} .
1-الله خالق كل شيء:
أول ما يجب على العباد معرفته أن الله سبحانه وتعالى هو خالق كل شيء فكل ما يرونه ولا يرونه من المخلوقات هي من خلق إله واحد لا إله إلا هو، لم يشاركه أحد في خلق ذرة منها، ولم يساعده أحد في إبداع هذا الخلق وإظهاره {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيها من شرك، وما له منهم من ظهير} أي أنه سبحانه ليس له معين من خلقه أعانه في خلق ذرة في السموات والأرض. قال تعالى: {الله خالق كل شيء وهو السميع العليم} ..
وسواء كان هذا الخلق من الذي يراه العباد على هيئته ولا دخل لهم في وجوده كالأرض التي يعيشون عليها، والشمس والقمر والنجوم والكون الفسيح الذي يعيشون فيه، والذي لا تشكل الأرض وما عليها منه إلا كمثقال حبة رمل واحدة وأقل من ذلك في صحراء مترامية الأطراف، أو كان هذا الخلق مما يصنعه البشر بأيديهم كمساكنهم وآلاتهم وأدواتهم ومركباتهم فإنها من خلق الله أيضًا، مادتها، وصانعها، وفكرتها. قال تعالى: {والله خلقكم وما تعلمون} . فالله سبحانه وتعالى هو خالق الصانع وصنعته، فهو الذي خلق عقله وسمعه وبصره ويده ورجله، وهو الذي ألهمه العلم بما يصنع، وعلمه ما يعمل وهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
فأفعال المخلوقات وإن نسبت إليهم لأنهم هم فاعلوها فإنها من خلق الله إيجادًا وتقديرًا وإلهامًا وتيسيرًا، وإقدارًا وتعليمًا.
2.الله مالك كل شيء:
وكما أن الله سبحانه وتعالى هو خالق كل شيء فهو مالك كل شيء، فالملك كله عاليه وسافله مشارقه ومغاربه كله ملك لله {تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير} .
وقال تعالى: {له مقاليد السموات والأرض} والمقاليد هي المفاتيح، فهو مالك خزائن السموات والأرض وما فيها.
والله سبحانه وتعالى يملك ما في السموات والأرض ذاتًا لأنه هو خالقها ومنشئها، ومخرجها من العدم ومبدعها، ويملك ما في السموات والأرض تصريفًا فما من حركة أو سكون في المخلوقات إلا وهي بمشيئته وأمره، ولا تملك ذرة واحدة في الكون لنفسها نفعًا ولا ضرًا ولا مسارًا ولا سكونًا.. بل الله مالك ذلك كله.
وكل مخلوق جعل الله له مشيئة وإرادة واختيارًا فإنما مشيئته وإرادته، واختياره وفق اختيار الله ومشيئته، فلا يشاء أحد لنفسه أو لغيره شيئًا إلا إذا شاء الله، ولا ينال أحد لنفسه أو غيره خيرًا إلا بإذنه، ولا يدفع عن نفسه أو غيره ضرًا إلا بإذنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن..
قال تعالى: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل، وترزق من تشاء بغير حساب} .