آية جليلة القدر، عظيمة الشأن، رفيعة المنزلة، بعيدة المكانة، بيِّنة المهابة، لها حلاوة وعليها طلاوة، تنزل على القلب بردًا سلامًا، يسعد بها الفؤاد، وتأنس لها النفس، وتستروح بها الروح، حبيبة إلى الرحمن، حافظة للإنسان، طاردة للشيطان، حفظها أمن وأمان، وقراءتها روح وريحان، والترنم بها النعيم والسلوان. وهي أعظم وأجل آية في القرآن.
سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أُبيّ بن كعب: ( أي آية كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم. فرددها مرارًا، ثم قال أُبيّ: آية الكرسي. قال: ليهنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده إن لها لسانًا وشفتين، تقدس الملك عن ساق العرش ) .
أية الكرسي بعيدة أسرارها، عظيمة أخبارها، حتى الشياطين عرفت مقدارها، يقول أبو هريرة ـ رضي الله عنه: ( وكلني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم، قال: إني محتاج، وعلي عيال، ولي حاجة شديدة. قال: فخليت عنه. فأصبحت، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعيالًا فرحمته وخليت سبيله. قال: أما إنه قد كذبك وسيعود، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: إنه سيعود، فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم. قال: دعني، فإني محتاج، وعلى عيال، لا أعود. فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله، شكا حاجة وعيالًا فرحمتُه فخليت سبيله. قال: أما إنه قد كذبك وسيعود، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم أنك لا تعود، ثم تعود. فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها. قلت ماهن. قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: { اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } ... [البقرة:255] ، حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله. قال: ما هي؟ قلت: قال لي، إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: { اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } ، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم: أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب مُذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قلت لا، قال: ذاك الشطان) .
{ اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ } : الله علم الأعلام، وأعرف المعارف، الله الذي له جميع معاني الألوهية ولا يستحق العبودية إلا هو، فهو المتفرد بالإلهية على جميع الخلائق، وهذه الوحدانية الحاسمة التي لا مجال فيها لأي انحراف أو لبس مما طرأ على الديانات السابقة بعد الرسل، هذه هي الوحدانية الناصعة، فالعبودية لله، والطاعة لله، والحاكمية لله.
{ اللهُ} بداية مشرقة، وكلمة مؤنسة، جاءت في أول الآية كالتاج على الرأس، والفجر في الأفق، والبسمة في الشفاه، ثم أتى بعدها مباشرة بالصفة الأسمى، والقضية العظمى، جاءت كلمة التقوى، وعنوان الدين، وأساس الملة، الكلمة التي من أجلها أنزلت الكتب، وأرسل الرسل، وأقيم سوق الجنة والنار وهي: { لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ } .
{ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } : الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا، المقيم لغيره، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو الغني عنها، ولا قوام لها بدون فضله، والحياة التي يوصف بها الإله الواحد هي الحياة الذاتية التي لم تأت من مصدر آخر كحياة الخلائق المكسوبة الموهوبة لها من الخالق، فالله جل وعلا يتفرد بالحياة الأزلية الأبدية التي لا تبدأ من مبدأ ولا تنتهي إلى نهاية، { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ } ... [الحديد: 3] ، ولذلك كان دعائه ـ صلى الله عليه وسلم: ( يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث ) .
والقيوم بمعنى قيامه سبحانه على كل موجود، وقيام كل موجود به، فلا قيام لشيء إلا مرتكنًا إلى وجوده وتدبيره، فالمسلم يعلم أن ضميره وحياته ووجوده وكل شيء من حوله مرتبط بالله الواحد الأحد.