سلسلة دراسات إسلامية معاصرة
العلم في الغرب
أنور الجندي
منشورات المكتبة العصرية
صيدا - بيروت
###91### العلم في الغرب
انتقل هذا العلم الإسلامي مع كل نتاج الفكر الإسلامي إلى أوروبا، واستقر في"الأندلس"ثمانمائة عام، فكانت منار الغرب كله، وكانت جامعاتها موئل المثقفين من مختلف بلاد أوروبا، التي كانت قد سقطت في ظلمات القرون الوسطى حوالي عام 400 ميلادية قبل ظهور الإسلام بقرنين تقريبًا، وظلت سادرة في ظلامها حتى أوائل القرن الخامس عشر بعد أن قطعت أكثر من ألف سنة كانت أضواء الإسلام خلالها قد عمت الآفاق.
فقد وصل المسلمون إلى شواطئ أوروبا في أوائل القرن الثامن الميلادي - أي بعد أربعمائة عام تقريبًا من سقوط روما - ومنذ ذلك الوقت حتى سقوط غرناطة في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، كان وجود الإسلام في أوروبا ###92### كلها (الأندلس أصلا وجنوبي فرنسا وإيطاليا) وجودًا حقيقيًا، يتمثل في حضارة كاملة بجامعاتها وعلومها وآثارها وكتبها وفكرها.
ولقد كان إنهاء هذا الوجود على هذا النحو الذي تجمع عليه كتب التاريخ الإسلامي والغربي جميعًا، ولا يختلف فيه هو أشبه بمؤامرة ضخمة، حاصرت العلم والجامعات والنتاج الإسلامي كله، ثم أخرجت المسلمين منه إلى شاطئ أفريقيا تحت اسم أوروبا للأوروبيين، ففي خلال هذه الفترة الضخمة الخصبة التي استمرت من 722 ميلادية (101 هـ) إلى سقوط غرناطة 1492م (898 هـ) تحول إلى أوروبا كل نتاج العلم الإسلامي داخل إطار فكرة الجامع، وهي فترة تزيد على 770 عامًا كاملة.
ومن هذا النتاج وأدواته ومصادره، قامت النهضة الغربية الحديثة التي عرفت باسم"الرينسانس"والتي تمثلت في مصادر كثيرة، أبرزها أولئك العلماء الذين تعلموا في جامعات الأندلس، ثم انتشروا في جامعات فرنسا وإنجلترا وإيطاليا، فكانوا نواة النهضة الأوروبية الحديثة، وأخذوا بالخيط من نقطة توقف المسلمين، وساروا به حتى بلغوا بالعلم والحضارة هذا المبلغ الذي نراه اليوم.
###93### غير أن النهضة الأوروبية لم تتخذ الفكر الإسلامي مصدرًا لها، وإن كان قد فتح لها الآفاق إلى المدنية، وكان أول ما أعطاها مفهوم الإرادة الإنسانية الحرة؛ هذا المفهوم الذي حطم مفهوم العزلة عن الدنيا والعكوف في الأديرة. ثم أعطاها مفهوم حرية فهم النص المقدس والاتصال بالله اتصالا مباشرًا دون وساطة، وهذا ما دعا إليه لوثر وكالفن، ثم كان المنهج العلمي التجريبي الذي وصل إلى نقطة أساسية، وهي معرفة أسلوب الوصول إلى كشف قوانين الطبيعة بالإضافة إلى ذلك التراث الضخم في عالم الفلك والبحر والطب والصناعة التي عاشت عليه أوروبا بعد ذلك ثلاثة قرون كاملة حتى استطاعت أن تقيم به النهضة الصناعية المدنية.
فالإسلام هو الذي لم تقبله أوروبا حين قبلت المنهج العلمي الإسلامي، وهو الذي أطلق العقل الإنساني من قيوده الذي كبلتها به الوثنية غير أن أوروبا صاغت فكرها الجديد من أصول قديمة، قوامها الفلسفة اليونانية والقانون الروماني وطابع المسيحية بتفسيراتها التي لم تكن تمثل الدين الذي أنزل على نبي الله عيسى عليه السلام.
وقد حال ذلك كله دون أن تضع العلم في موضعه الصحيح الذي رسمه له الإسلام، أو الدين بعامة، فكان ###94### أن تقدمت أوروبا في مجال العلم التجريبي، وانحرفت في مجال الفكر الفلسفي والاجتماعي والسياسي على النحو الذي أسلمها من الفلسفة المثالية إلى الفلسفة المادية التي يعيش فيها الغرب في هذا القرن حياته كلها، وقد كان ذلك أثره على اتجاه العلم ومنتجاته وآثاره وخططه في المجتمع والحضارة، وتلك هي أزمة العلم والحضارة.
ثانيًا: عندما بدأ العلم يقدم اكتشافاته، وقع الصدام بينه وبين رجال الدين، فقد كانت الكتب القديمة، قد وضعت مقررات عن الطبيعة والأرض والزمان، اختلفت مع ما حاول العلم أن يثبته.
وقد انتهى هذا الصراع بموقف عداء مع رجال الدين ومع الدين نفسه، وفي هذه المراحل استعلى العلم بكشوفه، وحاول أن يشق طريقه بعيدًا عن الدين، فظهرت مفاهيم مختلفة منها الدين البشري والإلحاد والخصومة بين العلم والدين.
غير أن العلم الذي أصابه الغرور الشديد حين أعلى مفاهيم المادة والعقل، وأنكر الجوانب الأخرى في الحياة الإنسانية كالروحية والغيب والوحي والدين، قد شق طريقًا صعبًا يتمثل واضحًا في كتابات أرنست رينان، وهربرت ###95### سبنسر، وغيرهم من الفلاسفة لا العلماء.
فقد حاول هؤلاء بالإضافة إلى بخز وغيره تفسير الحياة تفسيرًا ماديًا صرفًا، وبلغ الإيمان بالعلم درجة كبرى حتى وصفه أرنست رينان في كتابه"مستقبل العلم"بأنه سينقذ الإنسانية وأن العصر الذي يسود فيه العقل، وتصل فيه الإنسانية إلى الكمال آت لا ريب فيه. ومن ثم قام مفهوم مسيطر هو أن العلم كل شيء، ولا شيء غيره، وأنه هو الذي ينظم المعرفة على اختلاف أنواعها.