نزار محمد عثمان*
مدخل
الخروج من المأزق الراهن يتطلب العمل الجاد على مستويين اثنين: مستوى الحكومة والدولة، ومستوى الجماعات الإسلامية.
يمر السودان اليوم بوضع جديد؛ يتمثل في إقرار اتفاقية السلام، ودخول الحركة الشعبية كشريك أصيل في حكم البلاد؛ الأمر الذي يوجب على الجانبين على مستقبل العمل الإسلامي في هذا البلد أن يقفوا وقفة تدبر وتأمل؛ تحلل الواقع، وتستجلي المستقبل، وتجنب البلاد والعباد المخاطر المتوقعة.
توصيف الأزمة
تتميز الأزمة الراهنة بأنها أزمة متعددة الواجهات؛ فمنها ما يتعلق بالنظام العالمي الجديد ومخططاته، ومنها ما يتعلق بالنظام الحاكم، ومنها ما يتعلق بجماعات العمل الإسلامي ومواقفها؛ فالنظام العالمي الجديد جعل من الإسلام عدوه الأوحد؛ لذلك جاهر بعداء كل نظام يرفع الإسلام شعارا..
وجماعات العمل الإسلامي، بعدت عن مشاكل الشعب وآلامه؛ وتقوقعت داخل أطرها التنظيمية في وقت تحتاج فيه الأمة لاتحاد الجهود، وتضافر الطاقات..
كل ذلك عمل بنسب متفاوتة على إضعاف قدرة العمل الإسلامي على التأثير في الأحداث الجارية؛ وبالتالي أفسح المجال واسعًا لمخططات النظام العالمي عبر المؤسسات الدولية لتجد بيئة مشجعة تبيض فيها وتفرخ المشاكل الحادثة.
الحلول والمعالجات
الخروج من المأزق الراهن يتطلب العمل الجاد على مستويين اثنين: مستوى الحكومة والدولة، ومستوى الجماعات الإسلامية.
لابد من إعادة الاعتبار لمؤسسات الحسبة، وتزكية المجتمع، والنظام العام، والاهتمام بالإعلام الهادف الذي يبني الأمة المجاهدة
أولًا: على مستوى الدولة والحكومة
يمكن للحكومة أن تحفظ هوية البلاد والعباد بالتحرك السريع لتحقيق التالي:
1/ محاربة الفساد بكل صوره وأشكاله:
إن صور الفساد الإداري والمالي والأخلاقي أظهر من أن يمثَّل لها، ولن تفلح الحكومة في إشعار الغيورين على العقيدة والدين بحرصها على المبادئ والأخلاق إلا بمحاربة الفساد المتمثل في محسوبية طاغية، وحزبية ضيقة، وفساد مالي مشاهد، وإعلام خليع مائع، وترهل إداري واضح..
ثم بإنفاذ قوانين الشريعة السمحة الكفيلة بردع المفسدين، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الحسبة، وتزكية المجتمع والنظام العام، والاهتمام بالإعلام الهادف الذي يبني الأمة المجاهدة..
ومما يعجب له المرء أن نرى قنوات اللهو والغناء والمجون تفتتح كل فترة وأخرى في الوقت الذي يهدد فيه عدم الاستقرار المالي قناة القرآن الكريم بالتوقف!.
2/ رفع الظلم الحادث:
إن قطاعات عريضة من الشعب تتعرض لظلم بيِّن يتمثل في الضرائب الباهظة التي طالت كل شخص؛ فلا يستطيع أحد إنجاز معاملة حكومية إلا بعد دفع مبلغ من المال كبير!..
والسبب أن الحكومة حددت ربطًا معينًا من الجباية يجب على كل مرفق حكومي أن يوفره، كما أن السلطات تشجع الجباة، وتخصص لهم نسبًا مئوية من المبلغ الذي يحصلونه..
كل ذلك أفرز استياءًا عامًا من ثقل الضرائب والرسوم؛ الأمر الذي يستدعي إعادة النظر، ورفع الظلم الواقع على المواطنين.
ويبدو الظلم أوضح صورة إذا أخذ المتابع في الاعتبار أوجه الصرف البذخي الذي توجه إليها أموال الجباية الحكومية في الوقت الذي تشير فيه بعض التقارير إلى أن 95% من الشعب تحت خط الفقر.
3/ رفض الخضوع للهيمنة الأمريكية:
إن الحكومة مطالبة بتوطين النفس، والاحتكام إلى مبادئ الدين الحنيف؛ بعيدًا عن التبعية المهينة، والذيلية الفاضحة..
والمتابع للوضع السياسي يرى بوضوح أن الحكومة سارت في الاتجاه العام الذي حددته الولايات المتحدة الأمريكية في معظم القضايا المصيرية.. خاصة اتفاقية السلام الأخيرة، كما يلاحظ أن كل ذلك لم يشفع للحكومة؛ فكان جزاؤها قرارات مجلس الأمن المعروفة، وتجديد العقوبات عليها؛ (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) .
3/ التقويم الجاد لتجربة اتفاقية السلام:
إن مسيرة اتفاقية السلام، وحكومة الوحدة الوطنية التي تمخضت عنها تحوي ثغرات عديدة؛ فلا زالت بعض قيادات الحركة الشعبية تطلق تصريحات نشاز تخالف بها اتفاقية السلام التي وقعتها..
ويكفي أن نشير فقط إلى التصريح الذي نقلته الشرق الأوسط يوم 13/11، والذي يتعجب فيه النائب الأول في حكومة الوحدة الوطنية (الفريق سلفاكير) من أن الحكومة الأمريكية لم تعتقل مدير استخبارات حكومة الوحدة الوطنية (صلاح قوش) ؛ فأي وحدة، وأي وطنية بقيت في حكومة كهذه؟!..
كذلك ما زالت الحركة الشعبية تطرح نفسها كحزب منافس لحكومة الإنقاذ، وليس كشريك لها؛ وما فتئت تتهم الحكومة بعدم الالتزام بالاتفاقية.
وليست الحركة الشعبية هي الوحيدة التي لم تف بالتزاماتها تجاه السلام، بل المجتمع الدولي نفسه كذلك!؛ إذ لم تدفع الدول المانحة ما تطوعت والتزمت به تجاه إعمار البلاد، ووحدة القطر.