فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ قَدْ تَقْتَضِي ذَلِكَ وَلَيْسَ فِيهِ إحْدَاثُ مَا لَمْ يَكُنْ . قُلْت قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: إنَّ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَوَافَقَهُ صَاحِبَاهُ سُلَيْمٌ وَالْبَنْدَنِيجِيّ . وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّهُ رَآهُ فِي الْأُمِّ إذْ قَالَ: وَإِذَا كَانُوا فِي مِصْرِ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ كَنِيسَةٌ أَمْ بِنَاءٌ طِيلَ بِهِ بِنَاءُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ هَدْمُهَا وَلَا هَدْمُ بِنَائِهِمْ وَتَرَكَ كُلًّا عَلَى مَا وَجَدَهُ , وَقِيلَ يُمْنَعُ مِنْ الْبِنَاءِ الَّذِي يُطَايِلُ بِهِ بِنَاءَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَاجِبٌ أَنْ يَجْعَلُوا بِنَاءَهُمْ دُونَ بِنَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِشَيْءٍ . وَهَذَا إذَا كَانَ مِصْرًا لِلْمُسْلِمِينَ أَحْيَوْهُ أَوْ فَتَحُوهُ عَنْوَةً وَشَرَطُوا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ هَذَا . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَعَلَى هَذَا حَمَلْنَا أَمْر الْبِيَعَ وَالْكَنَائِسِ الَّتِي فِي دَارِ الْإِسْلَامِ . قُلْت وَهَذَا الْوَجْهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ هَذَا التَّقْرِيرَ فِي حُكْمِ إحْدَاثِ كَنِيسَةٍ فِي الْإِسْلَامِ لِأَنَّا كَمَا قَرَّرْنَا جَعَلْنَاهَا كَالْمَوَاتِ الَّذِي لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ فَجَعْلُهَا الْآنَ كَنِيسَةً إحْدَاثٌ لَهَا . وَكُنْت أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ غَلَطٌ لِدُخُولِهَا فِي الْغَنَائِمِ ثُمَّ رَجَعْت عَنْ التَّغْلِيطِ لِمَا قَدَّمْته أَنَّهَا لَيْسَتْ بِغَنِيمَةٍ وَاقْتَصَرْت عَلَى التَّضْعِيفِ لِمَا ذَكَرْت وَكَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالرَّافِعِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْجَوَازِ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ ذَلِكَ أَوْ لَا وَيَكُونُ التَّقْرِيرُ إنْشَاءَ فِعْلٍ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ تَارَةً يَكُونُ تَرْكًا مُجَرَّدًا فَلَا يَمْنَعُ إقْدَامَ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَدْمِهَا , وَبِهَذَا يَصِحُّ إنْ حَمَلَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الرَّافِعِيِّ أَوْ هَدَمَهَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ , وَتَارَةً يَكُونُ الْتِزَامًا لَهُمْ بِشَرْطٍ يَأْخُذُونَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي عَقْدِ ذِمَّةٍ أَوْ نَحْوِهِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْفَتْحِ , وَمَا حَكَيْنَاهُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْإِبْقَاءِ لَكِنَّهُ مُحْتَمِلٌ لَأَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ الشَّرْطُ فِي أَوَّلِ الْفَتْحِ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى الْفَتْحِ صُلْحًا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَتَكُونُ الْعَنْوَةُ فِيمَا سِوَاهُ فَلَا تَكُونُ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيهَا الرَّافِعِيُّ وَيَصِحُّ حَمْلُ الْمَوْجُودِ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا فِي مَسْأَلَتَيْنِ: ( إحْدَاهُمَا ) إذَا جُهِلَ الْحَالُ فَتَجِبُ التَّبْقِيَةُ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ . ( وَالثَّانِيَةِ ) إذَا لَمْ يُجْهَلْ وَفُتِحَ عَنْوَةً وَأَرَدْنَا تَقْرِيرَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ وَهَلْ يَجُوزُ ؟ وَجْهَانِ كَمَا قَالَهُ أَبُو حَامِدٍ وَالرَّافِعِيُّ وَهَلْ التَّقْرِيرُ تَرْكٌ مُجَرَّدٌ فَيَجُوزُ هَدْمُهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ شَرْطٌ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ ؟ فِيهِ مَا قَدَّمْته مِنْ الْبَحْثِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ إلَّا إنْ وَقَعَ فِي عَقْدٍ كَمَا إذَا عَقَدَ لَهُمْ ذِمَّةً أَوْ هُدْنَةً . قَالَ الرَّافِعِيُّ رحمه الله وَأَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ مَلَكُوهَا بِالِاسْتِيلَاءِ فَيُمْنَعُ جَعْلُهَا كَنِيسَةً وَحَكَى الْإِمَامُ الْقَطْعَ بِهَذَا الْوَجْهِ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ . قُلْت قَدْ عَرَّفْتُك أَنِّي كُنْت أَقْطَعُ بِهَذَا وَأَعْتَقِدُ غَلَطَ الْأَوَّلِ لِمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ هُنَا مِنْ التَّعْلِيلِ بِالْمِلْكِ بِالِاسْتِيلَاءِ حَتَّى ظَهَرَ لِي مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي الْغَنِيمَةِ . وَكُنْت قَبْلَ ذَلِكَ أَقُولُ قَدْ يَكُونُ مَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الْغَنِيمَةَ هَلْ تُمْلَكُ بِالِاسْتِيلَاءِ أَوْ يَتَوَقَّفُ الْمِلْكُ فِيهَا عَلَى الِاخْتِيَارِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي بَابِهِ , وَافْرِضْ الْمَسْأَلَةَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ حَتَّى اسْتَغْنَيْت عَنْ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمْته , وَمَعَ ذَلِكَ فَالْأَصَحُّ عِنْدِي مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَايَتُهَا أَنْ تَكُونَ كَالْمَوَاتِ وَنَحْنُ لَا نُمَكَّنُ مِنْ جَعْلِهِ كَنِيسَةً فِي الْإِسْلَامِ . وَمِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا وَآخِرًا يَظْهَرُ أَنَّ طَرِيقَةَ الْخِلَافِ هِيَ الصَّحِيحَةُ وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ الْمَنْعَ وَإِنَّ طَرِيقَةَ الْقَطْعِ ضَعِيفَةٌ وَلِذَلِكَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ عَلَى خِلَافِهَا .
قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالثَّانِي مَا فُتِحَ صُلْحًا