أما سؤالك:
ما هو حكم ثياب التمييز ؟ وما الحكمة منه ؟
لقد ذكر الإمام ابن القيم فوائد كثيرة في فرض لباس معين على أهل الكتاب:
قال الإمام ابن القيم (3/1265) :
وقد نهى أن يبدأ اليهود والنصارى بالسلام ، وأمر إذا سلم أحدهم علينا أن نقول له: وعليكم .
وإذا كان هذا من سنة الإسلام فلا بد أن يكون لأهل الذمة زي يعرفون به حتى يمكن استعمال السنة في السلام في حقهم ويعرف منه المسلم من سلم عليه: هل هو مسلم يستحق السلام أو ذمي لا يستحقه ؟ وكيف يرد عليهم ؟ .
قلت ( ابن القيم ) : ما ذكره ( يقصد ابن القيم: ابو القاسم الطبري ) من أمر السلام فائدة من فوائد الغيار ؛ وفوائده أكثر من ذلك .
فمنها أنه لا يقوم له ، ولا يصدره في المجلس ، ولا يقبل يده ، ولا يقوم لدى رأسه ، ولا يخاطبه بأخي وسيدي ووليي ونحو ذلك ، ولا يدعى له بما يدعى به للمسلم من النصر والعز ونحو ذلك ، ولا يصرف إليه من أوقاف المسلمين ، ولا من زكواتهم ، ولا يستشهده تحملا ولا أداء ، ولا يبيعه عبدا مسلما ، ولا يمكنه من المصحف ، وغير ذلك من الأحكام المختصة بالمسلمين ، فلولا النهي لعامله ببعض ما هو مختص بالمسلم فهذا من حيث الإجمال .ا.هـ.
وأشار ابن القيم أيضا إلا أن أهل الكتاب لا يلبسون القلنسوة فقال (3/1267) :
فيمنعون من لباسها لما كان رسول الله وصحابته يلبسونها ولم يزل لبسها عادة الأكابر من العلماء والفقهاء والقضاة ، والأشراف والخطباء على الناس ، واستمر الأمر على ذلك إلى أواخر الدولة الصلاحية فرغب الناس عنها .
فإنما نهى عمر رضي الله عنه أهل الذمة عن لبسها لأنها زي رسول الله وصحابته من بعده وغيرهم من الخلفاء بعده وللمسلمين رسول الله وأصحابه أسوة وقدوة فالخلفاء يلبسونها اقتداء برسول الله وتشبها به وهم أولى الناس باتباعه واقتفاء أثره والعلماء يلبسونها إذا انتهوا في علمهم وعزهم وعظمت منزلتهم واقتدى الناس بهم فيتميزون بها للشرف على من دونهم لما رفعهم الله بعلمهم على جهلة خلقه والقضاة تلبسها هيبة ورفعة والخطباء تلبسها على المنابر لعلو مقامهم فيمنع أهل الذمة من لباس القلنسوة لعدم وجود هذه المعاني فيهم .ا.هـ.
ولا يلبسون العمائم لأنها لباس العرب قديما ولباس رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة ، فهي لباس الإسلام .
ونقل صورة من صور العزة لأهل الإسلام في فترة من فترات تاريخ هذه الأمة عندما عز أهلها فقال (3/1273) :
وقال أبو الشيخ: حدثنا أحمد بن الحسين حدثنا الدورقي ، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق ، حدثنا ابن المبارك ، حدثنا معمر ، أن عمر بن عبدالعزيز كتب:"أن امنع من قِبَلك فلا يلبس نصراني قَباء ولا ثوب خز ولا عصب ، وتقدم في ذلك أشد التقدم حتى لا يخفى على أحد نهي عنه وقد ذُكر لي أن كثيرا ممن قبلك من النصارى قد راجعوا لبس العمائم ، وتركوا المناطق على أوساطهم ، واتخذوا الوفر والجمم ، ولعمري إن كان يصنع ذلك فيما قبلك إن ذلك بك ضعف وعجز ، فانظر كل شيء نهيت عنه وتقدمت فيه فلا ترخص فيه ، ولا تغير منه شيئا".ا.هـ.
الله أكبر !!!!
وقد قال المحقق عن هذا الأثر: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات .
وجاء في لفظ آخر:
أن عمر بن عبدالعزيز كتب:"أما بعد فلا يركبن يهودي ولا نصراني على سرج وليركبن على إكاف ، ولا يركبن نساؤهم على راحلة ، وليكن ركوبهن على إكاف وتقدم في ذلك تقدما بليغا".
ومن صور المخالفة في اللباس مما ذكره الإمام ابن القيم لبس النعال فإن أهل الكتاب لا يتشبه بهم المسلمون حتى في لبس النعال فقال (3/1282) :
فصل قولهم ولا في نعلين ولا فرق شعر
أي لا نتشبه بهم في نعالهم بل تكون نعالهم مخالفة لنعال المسلمين ليحصل كمال التمييز وعدم المشابهة في الزي الظاهر ليكون ذلك أبعد من المشابهة في الزي الباطن .ا.هـ.
واكتفي بهذه الصور لأن الموضوعَ طويلٌ جدا ، وبإمكانك الرجوع إلى كتاب أحكام أهل الذمة للإمام ابن القيم ففيه الفائدة والغنية إن شاء الله تعالى .
عبد الله زقيل
الحب في الله والبغض في الله
فضيلة الشيخ / عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد .
فإن الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان ، وتحقيقه في واقعنا هو المقياس الشرعي السديد تجاه الناس بشتى أنواعهم ، والحب في الله والبغض في الله هو الحصن الحصين لعقائد المسلمين وأخلاقهم أمام تيارات التذويب والمسخ كزمالة الأديان والنظام العالمي الجديد والعولمة ونحوها .
ومسائل هذا الموضوع كثيرة ومتعددة ، وقد عُني العلماء قديمًا وحديثًا بتحريرها وتقريرها ، لكن ثمت مسائل مهمة - في نظري - تحتاج إلى مزيد بحث وتحقيق وإظهار .
منها: أن الحبّ في الله تعالى والبغض في الله متفرع عن حب الله تعالى ، فهو من لوازمه ومقتضياته ، فلا يمكن أن يتحقق هذا الأصل إلا بتحقيق عبادة الله تعالى وحبّه ، فكلما ازداد الشخص عبادة لله تعالى وحده ازداد تحقيقًا للحبّ في الله ، والبغض في الله ، كما هو ظاهر في قصة الخليل إبراهيم عليه السلام ، وهو أظهر في سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .