فهرس الكتاب

الصفحة 671 من 743

وإذا تبين أن مذهب سلف الأمة ومن اتبعهم من الخَلَف أن السب بنفسه كفر استحله الساب أو لم يستحله، فالدليل على ذلك جميع ما تقدم من الدليل على كفر الساب من الآيات والأحاديث والآثار، فإنها أدلة بيِّنة في أن نفس أذى الله ورسوله كفر مع قطع النظر عن اعتقاد التحريم وجودًا وعدمًا، إذ لو كان الكفر المبيح للدم هو اعتقاد أن السب حلال لم يجز تكفير الساب وقتله حتى يظهر هذا الاعتقاد ظهورًا تثبت بمثله الاعتقادات المبيحة للدماء، وهذا خلاف ما تقدم من الأدلة. والحقيقة أن منشأ هذه الشهبة التي أوجبت هذا الوهم أنهم رأوا أن الإيمان هو مجرد تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به دون الانقياد له، وظنوا أن اعتقاد صدقه صلى الله عليه وسلم لا ينافي السب والشتم بالذات، وغاب عن هؤلاء أن السب إهانة واستخفاف، وأن الانقياد للأمر إكرامٌ وإعزاز، ومُحالٌ أن يهين القلب من قد انقاد له وخضع واستسلم أو يستخف به، وهذا هو بعينه كفر إبليس؛ فإنه سمع أمر الله له فكان مصدقًا للخبر، ولكنه لم ينقد للأمر ولم يخضع له واستكبر عن الطاعة فصار كافرًا، وهذا موضعٌ زاغ فيه خلقٌ من الخَلَف تخيل لهم أن الإيمان ليس في الأصل إلا التصديق، ثم يرون مثل إبليس وفرعون ممن لم يصدر عنه تكذيب أو صدر عنه تكذيب باللسان لا بالقلب، وكفره مِن أغلظ الكفر فيتحيرون، ولو أنهم هُدوا لما هدي اليه السلف الصالح لعلموا أن الإيمان قولٌ وعمل، فيصدق القلب أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم تصديقًا يوجب حالًا في القلب وينقاد لأمره ويستسلم، ولا يكون مؤمنًا إلا بمجموع الأمرين: التصديق بالخبر والانقياد للشرع، فمتى ترك الانقياد كان مستكبرًا فصار من الكافرين، ألا ترى أن نفرًا من اليهود جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألوه عن أشياء فأخبرهم فقالوا: نشهد إنك نبي، ولم يتبعوه، وكذلك هرقل وغيره، فلم ينفعهم هذا العلم وهذا التصديق. ألا ترى أن مَن صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بأن ما جاء به هو رسالة الله وقد تضمنت خبرًا وأمرًا، فإنه يحتاج إلى مقامٍ ثان وهو تصديقه خبر الله وانقياده لأمر الله؛ فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره، فإذا قال: وأشهد أن محمدًا رسول الله، تضمنت تصديق الرسول فيما جاء به من عند الله وانقياده لأمره، فبمجموع هاتين الشهادتين يتم الاقرار، ويلزم الأصل الآخر وهو الانقياد. والشاهد هنا أن هذا مما يبين أن الاستهزاء بالله ورسوله بالسب والشتم ينافي الانقياد له والطاعة منافاةً ذاتية، ومن استخف به واستهزأ بقلبه امتنع أن يكون منقادًا لأمره صلى الله عليه وسلم، فإن الانقياد إجلالٌ وإكرام، والاستخفاف إهانةٌ وإذلال، وهذان ضدان فمتى حصل في القلب أحدهما انتفى الآخر، فعُلم أن الاستخفاف والاستهانة نفسها تنافي الإيمان منافاة الضد للضد"."

قلت: والحاصل أن محل هذه الشبهة عند من اختل مفهوم الإيمان لديه، وهذا يستدعي المسارعة إلى تصحيح هذا الخلل لأنه على حافة جرف خطير جدًا، فالإيمان الذي هو تصديق الخبر والانقياد للشرع له آثار في الظاهر تحتم وجود بعض أنواع القول والفعل وهي التي بها ينعقد أصل الإيمان وتوجب بعض أنواع القول والفعل وهي التي يتحقق بها الإيمان وتحث على بعض أنواع القول والفعل وهي التي يكمل بها الإيمان، وفي المقابل لا بد أن يمتنع ظهور بعض أنواع القول والفعل وهو الذي يقدح في أصل الإيمان، ويمتنع ظهور أنواع أخرى من القول والفعل وهو المخل بالإيمان، وتحث على ترك أنواع من القول والفعل وهي التي تنافي كمال الإيمان، وأنت إذا نظرت إلى سب الرسول صلى الله عليه وسلم جزمت أنه من نوع القول والفعل الذي لا بد أن يمتنع من انعقد أصل الإيمان في قلبه من أن يظهر على لسانه وجوارحه، وبالله التوفيق.

هذه بعض الشبهات التي رأيت من المناسب التعرض إليها، ولقد ذكرت في الجواب عليها ما تمس الحاجة إلى معرفته، وأنضح من أراد الاستزادة بالعودة إلى الأصل أعني كتاب الصارم المسلول لتفصيل الجواب فيما لا يحتمل مقامنا هنا التفصيل فيه، والله تعالى أعلم.

الخلاصة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت